الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣١٥ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
فاجتمع الناس، و أخرج أبو عبيدة، فتقدم معاذ فصلى عليه، حتى إذا أتى به قبره، دخل قبره معاذ و عمرو بن العاص و الضحاك بن قيس، فلما سفوا عليه التراب، قال معاذ: رحمك الله أبا عبيدة، فو الله لأثنين عليه بما علمت، و الله لا أقولها باطلا، و أخاف أن يلحقنى من الله مقت، كنت و الله ما علمت من الذاكرين الله كثيرا، و من الذين يمشون على الأرض هونا، و إذا خاطبهم الجاهلون قالوا سلاما، و من الذين يبيتون لربهم سجدا و قياما، و من الذين إذا أنفقوا لم يسرفوا و لم يقتروا و كان بين ذلك قواما، و كنت و الله ما علمت من المخبتين المتواضعين، و من الذين يرحمون اليتيم و المسكين، و يبغضون الجفاة المتكبرين.
و لم يكن أحد من الناس أشد جزعا على فقد أبى عبيدة من معاذ، و لا أطول حزنا عليه من معاذ.
قال: ثم صلى معاذ بالناس أياما، و اشتد الطاعون، و كثر الموت فى الناس، فلما رأى ذلك عمرو بن العاص قال: يا أيها الناس، إن هذا الطاعون هو الرجز الذي عذب الله به بنى إسرائيل مع الطوفان و الجراد و القمل و الضفادع و الدم، و أمر الناس بالفرار منه.
فأخبر معاذ بقول عمرو، فقال: ما أراد إلى أن يقول ما لا علم له به، ثم جاء معاذ حتى صعد المنبر، فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله، و صلى على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم ذكر الوباء، فقال: ليس كما قال عمرو، و لكنه رحمة ربكم، و دعوة نبيكم، و موت الصالحين قبلكم، اللهم أعط معاذا و آل معاذ منه النصيب الأوفر، ثم صلى و رجع إلى منزله، فإذا هو بابنه عبد الرحمن قد طعن، فلما رآه قال: يا أبت، الحق من ربك فلا تكونن من الممترين، قال: يا بنى، ستجدنى إن شاء الله من الصابرين، فلم يلبث إلا قليلا حتى مات ي(رحمه الله)، و صلى عليه معاذ، و دفنه.
فلما رجع معاذ إلى منزله طعن، فاشتد به وجعه، و جعل أصحابه يختلفون إليه فإذا أتوه أقبل عليهم فقال لهم: اعملوا و أنتم فى مهلة و حياة و فى بقية من آجالكم، من قبل أن تمنوا العمل فلا تجدوا إليه سبيلا، و أنفقوا مما عندكم من قبل أن تهلكوا و تدعوا ذلك ميراثا لمن بعدكم، و اعلموا أنه ليس لكم من أموالكم إلا ما أكلتم و شربتم و لبستم و أنفقتم فأعطيتم فأمضيتم، و ما سوى ذلك فللوارثين، فلما اشتد به وجعه جعل يقول:
رب اخنقنى خنقك، فأشهد أنك تعلم أنى أحبك.
قال: و أتاه رجل فى مرضه، فقال له: يا معاذ، علمنى شيئا، ينفعنى الله به قبل أن