الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٠٧ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
بلادنا رخيص، و إنا نصيب هذا الذي ذكر بلال هاهنا بمثل ما كنا نقوت به عيالنا بالحجاز، فقال عمر: و الله لا أبرح العرصة أبدا حتى تضمنوا لى أرزاق المسلمين فى كل شهر، ثم قال: انظروا، كم يكفى الرجل و يسعه فى كل يوم، فقالوا: كذا و كذا، فقال:
كم يكون ذلك فى الشهر، قالوا: جريبين من قمح مع ما يصلحه من الزيت و الخل عند رأس كل هلال، فضمنوا له ذلك، ثم قال: يا معشر المسلمين، هذا لكم سوى أعطياتكم، فإن وفا لكم أمراؤكم بهذا الذي فرضته لكم و أعطوكموه فى كل شهر، فذلك ما أحب، و إن هم لم يفعلوا، فأعلمونى حتى أعزلهم عنكم، و أولى أمركم غيرهم، فلم يزل ذلك جاريا دهرا حتى قطع بعد ذلك.
و عن شهر بن حوشب [١]: أن إسلام كعب الحبر و هو من اليمن من حمير، كان فى قدوم عمر الشام، و أن كعبا أخبره بأمره، و كيف كان ذلك.
قال: و كان أبوه من مؤمنى أهل التوراة برسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و كان من عظمائهم و خيارهم.
قال كعب: و كان من أعلم الناس بما أنزل الله على موسى من التوراة، و بكتب الأنبياء، و لم يكن يدخر عنى شيئا مما كان يعلم، فلما حضرته الوفاة دعانى فقال: يا بنى قد علمت أنى لم أكن أدخر عنك شيئا مما كنت أعلم، إلا أنى حبست عنك ورقتين فيهما ذكر نبى يبعث، و قد أظل زمانه، فكرهت أن أخبرك بذلك، فلا آمن عليك بعد وفاتى أن يخرج بعض هؤلاء الكذابين فتتبعه، و قد قطعتهما من كتابك و جعلتهما فى هذه الكوة التي ترى، و طينت عليهما، فلا تتعرضن لهما و لا تنظر فيهما زمانك هذا، و أقرهما فى موضعهما حتى يخرج ذلك النبيّ، فإذا خرج فاتبعه، و انظر فيهما، فإن الله يزيدك بذلك خيرا.
فلما مات والدى لم يكن شيء أحب إلىّ من أن ينقضى المأتم حتى أنظر فى الورقتين، فلما انقضى المأتم فتحت الكوة، ثم استخرجت الورقتين، فإذا فيهما: محمد رسول الله، خاتم النبيين، لا نبى بعده، مولده بمكة، و مهاجره بطيبة، ليس بفظ و لا غليظ و لا صخاب فى الأسواق، و لا يجزى بالسيئة السيئة، و لكن يجزى بالسيئة الحسنة، و يعفو و يغفر و يصفح، أمته الحمادون، الذين يحمدون الله على كل شرف و على كل حال، و تذلل ألسنتهم بالتكبير، و ينصر الله نبيهم على كل من ناوأه، يغسلون فروجهم بالماء،
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٥٩- ٢٦٢).