الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٠٦ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
فلم يزل عمر (رحمه الله)، على الأمر الأول الذي كان عليه فى حياة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، و حياة أبى بكر، رضى الله عنه، حتى خرج من الدنيا.
قال: فلما نزل عمر بإيلياء و اطمأن الناس، بعث أبو عبيدة إلى أهل إيلياء، أن انزلوا إلى أمير المؤمنين، و استوثقوا لأنفسكم، فنزل إليه ابن الجعيد فى ناس من عظمائهم، فكتب لهم عمر كتاب الأمان و الصلح، فلما قبضوا كتابهم و أمنوا، دخل الناس بعضهم فى بعض، و لم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزار عمر، فيصنع له و يسأله أن يزوره فى رحله، فيفعل ذلك عمر، إكراما لهم، غير أبى عبيدة، فإنه لم يستزره، فقال له عمر: إنه لم يبق أمير من أمراء الأجناد إلا استزارنى غيرك، فقال: أبو عبيدة: يا أمير المؤمنين، إنى أخاف إن استزرتك أن تعصر عينيك، فأتاه عمر فى بيته، فإذا ليس فى بيته إلا لبد فرسه، و إذا هو فراشه و سرجه و إذا هو وسادته، و إذا كسر يابسة فى كوة بيته، فجاء بها، فوضعها على الأرض بين يديه، و أتى بملح جريش، و كوز خزف فيه ماء.
فلما نظر عمر إلى ذلك بكى، ثم التزمه و قال: أنت أخى، و ما من أحد من أصحابى إلا و قد نال من الدنيا و نالت منه، غيرك؟ فقال له أبو عبيدة: أ لم أخبرك أنك ستعصر فى بيتى عينيك.
قال: ثم إن عمر قام فى الناس، فحمد الله و أثنى عليه بما هو أهله، و صلى على النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قال: يا أهل الإسلام، إن الله قد صدقكم الوعد، و نصركم على الأعداء، و أورثكم البلاد، و مكن لكم فى الأرض، فلا يكن جزاء ربكم إلا الشكر، و إياكم و العمل بالمعاصى، فإن العمل بالمعاصى كفر للنعم، و قل ما كفر قوم بما أنعم الله عليهم، ثم لم يفزعوا إلى التوبة إلا سلبوا عزهم و سلط عليهم عدوهم.
ثم نزل، و حضرت الصلاة، فقال عمر رضى الله عنه: يا بلال، أ لا تؤذن لنا رحمك الله، فقال بلال: يا أمير المؤمنين، أما و الله ما أردت أن أؤذن لأحد بعد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) و لكن سأطيعك اليوم إذ أمرتنى فى هذه الصلاة وحدها. فلما أذن بلال و سمعت الصحابة صوته، ذكروا نبيهم (صلى اللّه عليه و سلم) فبكوا بكاء شديدا، و لم يكن يومئذ أحد أطول بكاء من أبى عبيدة و معاذ بن جبل، حتى قال لهما عمر: حسبكما رحمكما الله، فلما قضى عمر صلاته، قام إليه بلال فقال: يا أمير المؤمنين، إن أمراء أجنادك بالشام و الله ما يأكلون إلا لحوم الطير، و الخبز النقى، و ما يجد ذلك عامة المسلمين.
فقال لهم عمر: ما يقول بلال؟ فقال يزيد بن أبى سفيان: يا أمير المؤمنين، إن سعر