الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٣٠٢ - قصة صلح إيلياء و قدوم عمر رضى الله عنه الشام
فلما وصل كتابه إلى أبى عبيدة، قال: أشهد ليفعلنها، فقال ليزيد بن أبى سفيان:
اكفنى دمشق، فسار إليها يزيد فوليها.
و كان فى المسلمين رجل من بنى نمير يقال له مخيمس بن حابس بن معاوية، و كان شجاعا، و كان الناس يذكرون منه صلاحا، فقده أصحابه أياما، فكانوا يطلبونه و يسألون عنه فلا يخبرون عنه بشيء، فلما يئسوا منه ظنوا أن قد هلك، و أنه اغتيل، فبينا هم جلوس ذات يوم إذ طلع عليهم مقبلا فى يده ورقتان لم ينظر الناس إلى مثلهما قط أنضر، و لا أعرض عرضا، و لا أطول طولا، و لا أحسن منظرا، و لا أطيب رائحة، ففرح به أصحابه فرحا شديدا، و قالوا له: أين كنت؟ قال: وقعت فى جب فمضيت فيه حتى انتهيت إلى جنة معروشة، فيها من كل شيء، و لم تر عينى مثل ما فيها قط فى مكان، و لم أظن أن الله خلق مثلها، فلبثت فيها هذه الأيام التي فقدتمونى، فى نعيم ليس مثله نعيم، و فى منظر ليس مثله منظر، و فى رائحة لم يجد أحد من الناس قط، أطيب منها، فبينا أنا كذلك، أتانى آت فأخذ بيدى فأخرجنى منها إليكم، و قد كنت أخذت هاتين الورقتين من شجرة كنت تحتها جالسا، فبقيتا فى يدى، فأخذ الناس يشمونهما فيجدون لهما ريحا لم يجدوا لشىء قط أطيب منها، فأهل الشام يزعمون أنه أدخل الجنة و أن تينك الورقتين من ورقها، و يقولون: إن الخلفاء رفعتهما فى الخزانة.
و لما رأى أهل إيلياء أن أبا عبيدة غير مقلع عنهم، و ظنوا أن لا طاقة لهم بحربه، قالوا:
نحن نصالحك، قال: فإنى أقبل منكم الصلح، قالوا: فأرسل إلى خليفتكم عمر، فيكون هو الذي يعطينا العهد، و يكتب لنا الأمان، فقبل ذلك أبو عبيدة، و هم بالكتاب، و كان لا يقطع أمرا دون رأى معاذ، و كان معاذ لا يكاد يفارقه، لرغبته فى الجهاد، فأرسل إليه أبو عبيدة، و كان بعثه إلى الأردن، فلما قدم عليه أخبره، فقال له معاذ: تكتب إلى أمير المؤمنين فتسأله القدوم عليك، فلعله أن يستقدم، ثم يأبى هؤلاء الصلح فيكون سيره عناء و فضلا، فلا تكتب إليه حتى تستحلفهم بأيمانهم المغلظة: لئن: أنت سألته القدوم فقدم عليهم فأعطاهم الأمان و كتب لهم الصلح ليقبلن ذلك و ليصالحن عليه، فأخذ عليهم أبو عبيدة الأيمان المغلظة لئن عمر قدم فأعطاهم الأمان على أنفسهم و أموالهم و كتب لهم على ذلك كتابا ليقبلن و ليؤدن الجزية و ليدخلن فيما دخل فيه أهل الشام، فلما فعلوا ذلك كتب إليه أبو عبيدة:
بسم الله الرحمن الرحيم، لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد: فإنا أقمنا على إيلياء، و ظنوا أن