الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٩٥ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
فأعد لهم الجنود و عبأ العسكر، و أراد أن يشغل بعضهم ببعض لكثرة جنده و فضول رجاله، فأرسل أخاه تذارق إلى عمرو بن العاص فى تسعين ألفا، و بعث جرجة بن توذورا نحو يزيد بن أبى سفيان فعسكر بإزائه، و بعث الدراقص، فاستقبل شرحبيل بن حسنة، و بعث القيقار بن نسطوس فى ستين ألفا نحو أبى عبيدة، فهابهم المسلمون، و جميع فرق المسلمين أحد و عشرون ألفا، سوى ستة آلاف مع عكرمة، ففزعوا جميعا بالكتب و الرسل إلى عمر بن الخطاب، يستدعون رأيه، فراسلهم أن الرأى الاجتماع، و ذلك أن مثلنا إذا اجتمع لم يغلب من قلة، و إذا نحن تفرقنا لم يكن الرجل منا فى عدد يقرن به لأحد ممن استقبله، فاتعدوا اليرموك ليجتمعوا فيه، و قد كتبوا إلى أبى بكر بمثل ما كاتبوا به عمر، فطلع عليهم كتابه بمثل ما كاتبهم به عمر سواء، بأن اجتمعوا و القوا زحوف المشركين بزحف المسلمين، فإنكم أعوان الله، و الله ناصر من نصره و خاذل من كفره، و لن يؤتى مثلكم من قلة، و إنما يؤتى العشرة آلاف و الزيادة عليها، إذا أتوا من قبل الذنوب، فاحترسوا من الذنوب، و اجتمعوا باليرموك متساندين، و ليتصل كل رجل منكم بأصحابه.
و بلغ ذلك هرقل، فكتب إلى بطارقته، أن اجتمعوا لهم و انزلوا بالروم منزلا واسع العطن، واسع المطرد، ضيق المهرب، و على الناس التذارق، و على المقدمة جرجة، و على مجنبتيه باهان و الدراقص، و على الحرب القيقار، و أبشروا فإن باهان فى الأثر مدد لكم، ففعلوا، فنزلوا الواقوصة، و هى على ضفة اليرموك، و صار الوادى خندقا لهم، و هو لهب [١] لا يدرك، و إنما أراد باهان أن يستبقى الروم و يأنسوا بالمسلمين، و ترجع إليهم أفئدتهم، و انتقل المسلمون من معسكرهم الذي اجتمعوا به، فنزلوا عليهم بحذائهم على طريقهم، و ليس للروم طريق إلا عليهم. فقال عمرو: أيها الناس، ألا أبشروا، حصرت و الله الروم، و قل ما جاء محصور بخير، فأقاموا بإزائهم، و على طريقهم و مخرجهم، لا يقدرون من الروم على شيء، و لا يخلصون إليهم اللهب، و هو الواقوصة من ورائهم، و الخندق من أمامهم، و لا يخرجون خرجة إلا أذيل المسلمون منهم، و قد استمدوا أبا بكر (رحمه الله)، و أعلموه الشأن فى صفر، يريد من سنة ثلاث عشرة.
و فى حديث آخر لسيف عن أشياخه [٢]: أنهم لما استمدوه، قال أبو بكر: خالد لها، و بعث إليه و هو بالعراق فعزم عليه و استحثه فى السير، فنفذ خالد لذلك، و طلع عليهم
[١] لهب: اللهب بالكسر، هو الفرجة بين الجبلين.
[٢] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٣- ٣٩٤).