الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٩٤ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
أزايلهم حتى يفتح الله على المسلمين إن شاء الله، و السلام عليك.
فكتب إليه عمر رضى الله عنه: من عبد الله بن عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فقد أتانى كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه من إهلاك الله المشركين و نصره المؤمنين، و ما صنع لأوليائه و أهل طاعته، فالحمد لله على صنيعه إلينا، و نستتم من الله ذلك بشكره، ثم اعلموا أنكم لم تنصروا على عدوكم بعدد و لا عدة و لا حول و لا قوة، و لكنه بعون الله و نصره و منه تعالى و فضله، فلله المن و الطول و الفضل العظيم، فتبارك الله أحسن الخالقين، و الحمد لله رب العالمين.
فهذه الأحاديث التي أوردها أصحاب فتوح الشام فى كتبهم عن وقعة اليرموك، و قد أوردها غيرهم على صفة تخالف أكثر ما تقدم مساقا و تاريخا، حسب ما يظهر لمن يقف على جميعها، و اختلاف الأخبار من جهة النقل أمر مألوف، و إعادة أمثال هذه الآثار التي هى كيف ما وقعت من آيات الإسلام شيء غير مملول. و نحن نذكر من ذلك ما يحسن فى هذا المجموع ذكره، و يليق بالمقصود إيراده إن شاء الله تعالى.
فمن ذلك أن ابن إسحاق ذكر أن التقاء المسلمين مع الروم باليرموك كان فى رجب سنة خمس عشرة، و أن الذي لقيهم من الروم هو الصقلار خصى لهرقل، بعثه فى مائة ألف مقاتل أكثرهم من الروم، و سائرهم من أهل أرمينية، و من المستعربة من غسان و قضاعة، و المسلمون مع أبى عبيدة أربعة و عشرون ألفا، فاقتتل الناس اقتتالا شديدا حتى دخل عسكر المسلمين، و قاتل نساء من قريش بالسيوف حين دخل العسكر حتى سابقن الرجال، و قد كان انضم إلى المسلمين ناس من لخم و جذام، فلما رأوا جد القتال فروا و خذلوا المسلمين، فقال قائل من المسلمين حين رأى ذلك منهم:
القوم لخم و جذام فى الهرب* * * و نحن و الروم بمرج نضطرب
و إن يعودوا بعدها لا نصطحب
ثم إن الله أنزل نصره، فهزمت الروم و جموع هرقل التي جمع، فأصيب منهم سبعون ألفا، و قتل الله الصقلار و باهان، و كان هرقل قدمه مع الصقلار حين لحق به.
و فيما حكاه الطبرى [١] بسنده عن سيف عن شيوخه قالوا: أوعب القواد بالناس نحو الشام، و عكرمة ردء لهم، و بلغ الروم ذلك فكتبوا إلى هرقل، فخرج حتى نزل بحمص،
[١] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٩٢- ٣٩٣).