الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٩١ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
و عن الحسن بن عبد الله [١]: أن الأشتر قال لأبى عبيدة: ابعث معى خيلا أتبع آثار القوم، فإن عندى جزاء و غناء، فقال له أبو عبيدة: و الله إنك لخليق بكل خير، فبعثه فى ثلاثمائة فارس، و قال له: لا تتباعد فى الطلب، و كن منى قريبا، فكان يغير على مسيرة اليوم منه و اليومين، و نحو ذلك.
ثم إن أبا عبيدة دعا ميسرة بن مسروق فسرحه فى ألفى فارس، فمضى فى آثار الروم حتى قطع الدروب، و بلغ ذلك الأشتر، فمضى حتى لحقه، فإذا ميسرة مواقف جمعا من الروم أكثر من ثلاثين ألفا، و كان ميسرة قد أشفق على من معه، و خاف على نفسه و على أصحابه، فإنهم لكذلك إذ طلع عليه الأشتر فى ثلاثمائة فارس من النخع، فلما رآهم أصحاب ميسرة كبروا و كبر الأشتر و أصحابه، و حمل عليهم من مكانه ذلك، و حمل ميسرة فهزموهم، و ركبوا رءوسهم، و اتبعتهم خيل المسلمين يقتلونهم، حتى انتهوا إلى موضع مرتفع من الأرض، فعلوا فوقه، و أقبل عظيم من عظمائهم معه رجالة كثيرة من رجالتهم، فجعلوا يرمون خيل المسلمين من مكانهم المشرف، فإن خيل المسلمين لمواقفتهم إذ نزل رجل من الروم أحمر عظيم جسيم، فتعرض للمسلمين ليخرج إليه أحدهم، قال: فو الله ما خرج إليه رجل منهم، فقال لهم الأشتر: أما منكم من أحد يخرج لهذا العلج؟ فلم يتكلم أحد.
قال: فنزل الأشتر، ثم خرج إليه، فمشى كل واحد منهما إلى صاحبه و على الأشتر الدرع و المغفر، و على الرومى مثل ذلك، فلما دنا كل واحد منهما من صاحبه شد الأشتر عليه فاضطربا بسيفيهما، فوقع سيف الرومى على هامة الأشتر، فقطع المغفر و أسرع السيف فى رأسه، حتى كاد ينشب فى العظم، و وقعت ضربة الأشتر على عاتق الرومى، فلم تقطع شيئا من الرومى، إلا أنه ضربه ضربة شديدة أو هنت الرومى و أثقلت عاتقه، ثم تحاجزا.
فلما رأى الأشتر أن سيفه لم يصنع شيئا، انصرف فمشى على هيئته حتى أتى الصف، و قد سال الدم على لحيته و وجهه، فقال: أخزى الله هذا سيفا، و جاءه أصحابه، فقال: علىّ بشيء من حناء، فأتوه به من ساعته، فوضعه على جرحه، ثم عصبه بالخرق، ثم حرك لحيته و ضرب أضراسه بعضها ببعض، ثم قال: ما أشد لحيتى و رأسى و أضراسى، و قال لابن عم له: امسك سيفى هذا و أعطنى سيفك، فقال: دع لى سيفى، رحمك الله، فإنى لا أدرى لعلى احتاج إليه، فقال: أعطنيه و لك أم النعمان يعنى ابنته، فأعطاه إياه،
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٣٧، ٢٣٩).