الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٨٧ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
و أحسنه بلاء هو و أبوه جميعا، و قد كان أبوه مر به و هو يحرض الناس و يعظمهم، فقال:
يا بنى، إنك تلى من أمر المسلمين طرفا، و يزيد يومئذ على ربع الناس، و إنه ليس بهذا الوادى رجل من المسلمين إلا و هو محقوق بالقتال، فكيف بأشباهك الذين ولوا أمور المسلمين، أولئك أحق الناس بالجهاد و الصبر و النصيحة، فاتق الله يا بنى، و اكرم فى أمرك، و لا يكونن أحد من أصحابك أرغب فى الآخرة و لا فى الصبر فى الحرب و لا أشد نكاية فى المشركين، و لا أجهد على عدو الإسلام و لا أحسن بلاء منك. فقال يزيد:
أفعل و الله يا أبة، فقاتل فى الجانب الذي كان فيه قتالا شديدا.
قال: و شد على عمرو بن العاص جماعة من الروم فانكشف عنه أصحابه و ثبت عمرو فجالدهم طويلا، و قاتل شديدا، ثم تراجع إليه أصحابه، قال: فسمعت أم حبيبة بنت العاص تقول: قبح الله رجلا يفر عن حليلته، و قبح الله رجلا يفر عن كريمته، و سمعت نسوة من المسلمين يقلن: قاتلوا أيها المسلمون فلستم بعولتنا إن لم تمنعونا، و أخذن العناهر، فكلما مر بهن منهزم من المسلمين حملن عليه حتى يضربن وجهه و يرددنه إلى جماعة المسلمين.
و قاتل شرحبيل بن حسنة فى ربعه الذي كان فيه قتالا شديدا، و كان إلى جنبه سعيد ابن زيد، وسطا من الناس، و جعل ينادى: إِنَّ اللَّهَ اشْتَرى مِنَ الْمُؤْمِنِينَ أَنْفُسَهُمْ وَ أَمْوالَهُمْ بِأَنَّ لَهُمُ الْجَنَّةَ يُقاتِلُونَ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَيَقْتُلُونَ وَ يُقْتَلُونَ وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا فِي التَّوْراةِ وَ الْإِنْجِيلِ وَ الْقُرْآنِ إلى آخر الآية [التوبة: ١١١] ثم جعل يقول: أين الشارون أنفسهم من الله بابتغاء مرضات الله؟ أين المشاءون إلى جوار الله غدا فى داره، فاجتمع إليه ناس كثير و بقى القلب لم ينكشف، و فيه أهله الذين كانوا مع سعيد بن زيد، و كان أبو عبيدة من وراء ظهور المسلمين ردءا لهم.
فلما رأى قيس بن هبيرة أن خيل المسلمين مما يلى الميسرة قد شد عليهم الروم اعترض الروم بخيله و هى الشطر من خيل خالد، فقصف بعضهم على بعض، و حمل خالد من ميمنة المسلمين على ما يليه من الروم حتى اضطرهم إلى صفوفهم، فقصف بعضهم على بعض، و زحف إليه المسلمون جماعتهم رويدا رويدا حتى إذا دنوا منهم حملوا عليهم، فجعلت الروم ينقضون صفوفهم و ينهزمون، و بعث أبو عبيدة إلى سعيد بن زيد: أن احمل عليهم، فحمل عليهم، و شد المسلمون بأجمعهم، فضرب الله وجوه الروم، و منح المسلمين أكتافهم، يقتلونهم كيف شاءوا، لا يمتنعون من أحد من المسلمين، و انتهى خالد بن الوليد إلى الدرنجار، و كان كارها لقتال المسلمين، لما كان يجد من صفتهم فى الكتب،