الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٨٦ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
المسلمون و زالت الميسرة عن مصافها، و ثبت أهل الرايات و أهل الحفاظ، فقاتلوا قتالا شديدا، و ركبت الروم أكتاف من انهزم من المسلمين حتى دخلوا معهم العسكر، فاستقبلهم نساء المسلمين بالعناهر يضربن بها وجوههم.
و عن حنظلة بن جويه قال [١]: و الله إنى لفى الميسرة إذ مر بنا رجال من الروم على خيل من خيل العرب لا يشبهون الروم و هم أشبه شيء بنا، فلا أنسى قول قائل منهم: يا معشر العرب، الحقوا بوادى القرى و يثرب، و هو يقول:
فى كل يوم خيلنا تغير* * * نحن لنا البلقاء و السدير
هيهات يأبى ذلك الأمير* * * و الملك المتوج المحبور
قال: فحملت عليه و حمل علىّ، فاضطربنا بسيفينا فلم يغنينا شيئا ثم اعتنقنا، فخررنا جميعا فاعتركنا ساعة، ثم إننا تحاجزنا، فنظرت إلى عنقه و قد بدا منها مثل شراك النعل، فمشيت إليه فاعتمدت ذلك الموضع بسيفى، فو الله ما أخطأته، فقطعته فصرع، فضربته حتى قتلته، و أقبلت إلى فرسى و قد كان عار، و إذا فرسى قد حبسوه علىّ، فأقبلت حتى ركبته، قال: و قاتل قباث بن أشيم يومئذ، قتالا شديدا، و أخذ يقول:
إن تفقدونى تفقدوا خير فارس* * * لدى الغمرات و الرئيس المحاميا
و ذا فخر لا يملأ الهول صدره* * * ضروبا بنصل السيف أروع ماضيا
و كسر فى الروم يومئذ ثلاثة أرماح، و قطع سيفين، و يقول كلما قطع سيفا أو كسر رمحا: من يعين بسيف أو برمح فى سبيل الله رجلا قد حبس نفسه مع أولياء الله و قد عاهد الله ألا يفر و لا يبرح يقاتل المشركين حتى يظهر المسلمون أو يموت. و كان من أحسن الناس بلاء يومئذ.
و نزل أبو الأعور السلمى، فقال: يا معشر قريش، خذوا بحظكم من الصبر و الأجر، فإن الصبر فى الدنيا عز و مكرمة، و فى الآخرة رحمة و فضيلة، فاصبروا و صابروا.
و عن حبيب بن مسلمة قال [٢]: اضطررنا يوم اليرموك إلى سعيد بن زيد، فلله سعيد ما سعيد يومئذ إلا مثل الأسد، جثا و الله على ركبتيه حتى إذا دنوا وثب فى وجوههم مثل الليث، فطعن برايته أول رجل من القوم فقتله، و أخذ و الله يقاتل راجلا، فقاتل الرجل البئيس الشجاع فارسا، قال: و كان يزيد بن أبى سفيان من أعظم الناس غناء
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٢٧).
[٢] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٢٨).