الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٩ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
و معه معاذ بن جبل لا يفارقه، فقالوا له: إن هؤلاء قد زحفوا لنا هذا اليوم المطير، و إنا لا نرى أن نخرج إليهم فيه حتى يطلوا [١] بعسكرنا و يضطرونا إلى ذلك، قال: أصبتم، ثم خرج هو و معاذ فصفوا الناس و هيئوهم و وقفوهم على مراكزهم، و أقبلت الروم فى المطر، فوقفوا ساعة و تصبروا عليه، فلما رأوا أن المطر لا يقلع انصرفوا إلى عسكرهم، و دعا الدرنجار رجلا من العرب ممن كان على دين النصرانية فقال له: ادخل فى عسكر هؤلاء القوم فانظر ما حالهم و ما هديهم، و ما يصنعون، و كيف سيرتهم، ثم القنى بها، فخرج ذلك الرجل حتى دخل عسكر المسلمين فلم يستنكروه لأنه كان رجلا من العرب لسانه و وجهه، فمكث فى عسكرهم ليلة حتى أصبح، فوجد المسلمين يصلون الليل كله كأنهم فى النهار، ثم أصبح فأقام عامة يومه، ثم خرج إليه، فقال: جئتك من عند قوم يصومون النهار، و يقومون الليل، و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، رهبان بالليل، و أسد بالنهار، لو سرق ملكهم فيهم لقطعوه، و لو زنى لرجموه، لا يثأرهم الحق و اتباعهم إياه على الهوى، فقال: لئن كان هؤلاء القوم هكذا لبطن الأرض خير من ظهرها لمن يريد قتالهم.
فلما كان من الغد خرجوا أيضا، فى يوم ذى ضباب، و أتى المسلمين رجال من العرب كانوا نصارى فأسلموا، فقال لهم أبو عبيدة و خالد: ادخلوا فى عسكر الروم و اكتموهم إسلامكم و القونا بأخبارهم، فإن لكم فى هذا أجرا، و الله حاسبه لكم جهادا، فإنكم تدفعون بذلك عن حرمة الإسلام و تدلون على عورة أهل الشرك، فانطلقوا فدخلوا عسكر الروم، ثم جاءوا بعد ما مضى من الليل نصفه، فأتوا أبا عبيدة فقالوا له: إن القوم قد أوقدوا النيران، و هم يتبعون لكم و يتهيّئون للقائكم، و هم مصبحوكم بالغداة، فما كنتم صانعين فاصنعوه الآن، فخرج أبو عبيدة و معاذ بن جبل و خالد بن الوليد و يزيد بن أبى سفيان و عمرو بن العاص، فعبئوا الناس وصفوهم، فلم يزالوا فى ذلك حتى أصبحوا.
و عن راشد بن عبد الرحمن الأزدى، قال [٢]: صلى بنا أبو عبيدة يومئذ صلاة الغداة فى عسكره فى الغداة التي لقينا فيها الروم باليرموك، فقرأ فى أول ركعة بالفجر و ليال عشر، فلما مر بقول الله تعالى: أَ لَمْ تَرَ كَيْفَ فَعَلَ رَبُّكَ بِعادٍ إِرَمَ ذاتِ الْعِمادِ الَّتِي لَمْ يُخْلَقْ مِثْلُها فِي الْبِلادِ وَ ثَمُودَ الَّذِينَ جابُوا الصَّخْرَ بِالْوادِ وَ فِرْعَوْنَ ذِي الْأَوْتادِ الَّذِينَ طَغَوْا فِي الْبِلادِ فَأَكْثَرُوا فِيهَا الْفَسادَ فَصَبَّ عَلَيْهِمْ رَبُّكَ سَوْطَ عَذابٍ إِنَّ رَبَّكَ
[١] يلطوا: لط الشيء يلطه لطا: ألزقه و لزمه. انظر: اللسان (٤٠٣٤).
[٢] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢١٢).