الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٧ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
الأمم كانوا قبلنا فيها، فقاتلناهم عليها فأخرجناهم منها، و قد كانت قبل ذلك لقوم آخرين فأخرجهم منها هؤلاء الذين كنا قاتلناهم عليها، فابرزوا على اسم الله، فإنا خارجون إليكم.
قال الحارث: فلما فرغ باهان من كلامه وثب خالد فقام، و قمت معه، فمر بقبته فتركها، و بعث معنا صاحب الروم رجالا حتى أخرجونا من عسكرهم و أمنا، فرجعنا إلى أبى عبيدة، فقص عليهم خالد الخبر، و أخبرهم بأن القتال سيقع بينهم، و قال للناس:
استعدوا أيها الناس استعداد قوم يرون أنهم عن ساعة مقاتلون.
و حدث [١] أبو جهضم الأزدى، عن رجل من الروم كان مع باهان فى عسكرهم ذلك و أسلم بعد فحسن إسلامه، قال: كتب باهان إلى قيصر كتابا يخبره فيه بخالد و حال أصحابه و حال المسلمين، و كان قد جمع أصحابه يوم انصرف عنهم خالد، فقال: أشيروا علىّ برأيكم فى أمر هؤلاء القوم فإنى قد هيبتهم فما أراهم يهابون، و أطمعتهم فليس يطمعون، و أردتهم على الرجوع و الخروج عن بلادنا بكل وجه فليسوا براجعين، و القوم ليس يريدون إلا هلاككم و استئصالكم و سلب سلطانكم، و أكل بلادكم، و سبى أولادكم و نسائكم، و أخذ أموالكم، فإن كنتم أحرارا فقاتلوا عن سلطانكم، و امنعوا حريمكم و نساءكم و أموالكم و بلادكم و أولادكم، فقامت البطارقة رجلا بعد رجل فكلهم يخبره أنه طيب النفس بالموت دون بلاده و سلطانه، و قالوا له: إذا شئت فانهض بنا فقال لهم: فكيف ترون، نقاتلهم فإنا أكثر من عشرة أضعافهم، نحن نحو من أربعمائة ألف، و هم نحو من ثلاثين ألفا أو أقل أو أكثر.
فقال بعضهم: أخرج إليهم فى كل يوم مائة ألف يقاتلونهم و تستريح البقية، و تسرح عيالنا و أثقالنا إلى البحر، فلا يكون معنا شيء يهمنا و لا يشغلنا، و يقاتلهم كل يوم منا مائة ألف، فهم فى كل يوم فى قتل و جراحة و عناء و مشقة و شدة، و نحن لا نقاتل إلا فى كل أربعة أيام يوما فإن هم هزموا منا فى كل يوم مائة ألف بقى لهم أكثر من مائتى ألف لم ينهزموا، فقال آخرون: لا، و لكنا نرى إذا هم خرجوا إلينا أن نبعث إلى كل رجل منهم عشرة من أصحابك، فلا و الله لا يجتمع عشرة على واحد إلا غلبوه، فقال باهان: هذا ما لا يكون، و كيف أقدر على عددهم حتى أبعث إلى كل رجل منهم عشرة من أصحابى، و كيف أقدر أن ينفرد الرجل منهم عن صاحبه حتى أبعث إليه عشرة من قبلى، هذا ما لا يكون.
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (٢٠٧).