الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٧٠ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
كأنها أعراض الجبال، فكشفنا خيلهم حتى لحقت بالصفوف، و حمل خالد و أصحابه على من يليه منهم، فكشفوهم حتى ألحقوهم بالصفوف، و حمل عمرو بن الطفيل و ميسرة بن مسروق فى أصحابهما حتى ألحقوهم بالصفوف، ثم إن خالدا أمر خيله فانصرفت عنهم ثم أقبل بها حتى لحق بجماعة المسلمين و قد أراهم الله السرور فى المشركين.
قال: و تلاومت بطارقة الروم، و قال بعضهم لبعض: جاءتكم خيل لعدوكم ليست بالكثيرة فكشفت خيولكم من كل جانب، فأقبلت منهم كتائب فى أثر كتائب، فطيفوا الأرض مثل الليل و السيل، كأنها الجراد السود، و ظن المسلمون أنهم يخالطونهم، و المسلمون جراء عليهم سراع إليهم، فأقبلوا حتى إذا دنوا من جماعة المسلمين وقفوا ساعة و قد هابوا المسلمين و امتلأت صدورهم خوفا منهم، فقال خالد للناس: قد رجعنا عنهم و لنا الظفر عليهم، فاثبتوا لهم ساعة، فإن أقدموا علينا قاتلناهم، و إن رجعوا عنا كان لنا الظفر و الفضل عليهم، فأخذوا يقتربون ثم يرجعون، و المسلمون فى مصافهم و تحت راياتهم سكوت لا يتكلم رجل منهم كلمة إلا أن يدعو الله فى نفسه و يستنصره على عدوه، فلما نظرت الروم إلى خيل المسلمين و رجالتهم و مصافهم و حدهم و جدهم و صبرهم و سكونهم ألقى الله عز و جل، الرعب فى قلوبهم منهم، فواقفوهم ساعة ثم انصرفوا راجعين عنهم إلى عسكرهم، فاجتمعت بطارقتهم و عظماؤهم إلى باهان و هو أصبر جماعتهم.
فقال لهم باهان: إنى قد رأيت رأيا و أنا ذاكره لكم، إن هؤلاء القوم قد نزلوا بلادكم و ركبوا من مراكبكم و طعموا من طعامكم و لبسوا من ثيابكم، فعدل الموت عندهم أن يفارقوا ما تطعموه من عيشكم الرفيع و دنياكم التي لم يروا مثلها قط، و قد رأيت أن أسألهم إن رأيتم ذلك أن يبعثوا إلينا رجلا منهم له عقل فنناطقه و نشافهه و نطمعهم فى شيء يرجعون به إلى أهاليهم، لعل ذلك يسخى بأنفسهم عن بلادنا، فإن هم فعلوا ذلك كان الذي يريدون منا قليلا فيما نخاف و ندفع به خطر الوقعة التي لا ندرى أ علينا تكون أم لنا، فقالوا له: قد أصبت و أحسنت النظر لجماعتنا، فاعمل برأيك.
فبعث رجلا من خيارهم و عظمائهم يقال له جرجة إلى أبى عبيدة، فقال له: إنى رسول باهان عامل ملك الروم على الشام، و على هذه الجنود، و هو يقول لك: أرسل إلىّ الرجل الذي كان قبلك أميرا فإنه ذكر لى أنه رجل ذو عقل و له فيكم حسب، و قد سمعنا أن عقول ذوى الأحساب أفضل من عقول غيرهم، فنخبره بما نريد و نسأله عما تريدون، فإن وقع فيما بيننا و بينكم أمر لنا و لكم فيه صلاح أو رضى أخذنا به و حمدنا الله عليه، و إن لم يتفق ذلك كان القتال من ورائنا هنالك.