الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٦٩ - وقعة اليرموك على نحو ما حكاه أصحاب كتب فتوح الشام
ذى النور بن عمرو الدوسى، فخرجوا معه، ثم قسموا الخيل أرباعا، فبعث كل رجل منهم على ربع، و خرج خالد فى ربع منها حتى دنوا من عسكر الروم الأعظم الذي فيه باهان، فلما رأتهم الروم فزعوا لمجيئهم، و قد كانوا أخبروا أن العرب تريد الانصراف عن أرض الشام و يخلونهم و إياها، فكان ذلك قد وقع فى نفوسهم و طمعوا به، و رجوا أن لا يكون بينهم قتال، و صدق ذلك عندهم خروجهم من بين أيديهم يسوقونهم، و هم يدعون لهم الأرض و المدائن التي كانوا قد غلبوا عليها، فلما رأوا خالدا قد أقبل إليهم فى الخيل فزعهم ذلك و خرجوا على راياتهم بصلبهم، و القسيسون و الرهبان و البطارقة معهم، فصفوا عشرين صفا لا ترى أطرافها، ثم أخرجوا إلى المسلمين خيلا عظيمة تكون أضعاف المسلمين مضاعفة، فلما دنت خيلهم من خيل المسلمين خرج بطريق من بطارقتهم يسأل المبارزة، و يتعرض لخيل المسلمين، فقال خالد: أ ما لهذا رجل يخرج إليه، ليخرجن إليه بعضكم أو لأخرجن إليه، فنفلت إليه عدة من المسلمين ليخرجوا إليه، و أراد ميسرة بن مسروق ذلك، فقال له خالد: أنت شيخ كبير و هذا الرومى شاب و لا أحب أن تخرج إليه، فإنه لا يكاد الشيخ الكبير يقوى على الشاب الحديث السن، فقف لنا يرحمك الله فى كتيبتك، فإنك ما علمت حسن البلاء عظيم الغناء، و أراد عمرو بن الطفيل الخروج إليه، فقال له خالد: يا ابن أخى أنت غلام حدث، و أخاف أن لا تقوى عليه، قال الحارث بن عبد الله: و كنت فى خيل خالد التي خرجت معه، فقلت: أنا أخرج إليه، فقال: ما شئت، قال:، فلما ذهبت لأخرج قال لى: هل بارزت رجلا قط قبله؟ قلت: لا، قال: فلا تخرج إليه، فقال قيس بن هبيرة: كأنك يا خالد علىّ تحوم؟
قال: أجل، و إنى أرجو إن خرجت إليه أن تقتله، و إن أنت لم تخرج إليه لأخرجن إليه أنا، قال قيس: بل أنا أخرج إليه، فخرج و هو يقول:
سائل نساء الحى فى حجلاتها* * * أ لست يوم الحرب من أبطالها
و مقعص [١]الأقران من رجالها
فخرج إليه، فلما دنا منه ضرب فرسه، ثم حمل عليه فما هلل أن ضربه بالسيف على هامته فقطع ما عليها من السلاح، و فلق هامته، فإذا الرومى بين يدى فرسه قتيلا، و كبر المسلمون فقال خالد: ما بعد ما ترون إلا الفتح، احمل عليهم يا قيس، ثم أقبل خالد على أصحابه فقال: احملوا عليهم، فو الله لا يفلحون و أولهم فارسا متعفّرا فى التراب، قال:
فحملنا عليهم و على من يلينا منهم و من خيلهم، و هى مستقدمة أمام صفوفهم و صفوفهم
[١] مقعص: القعص هو القتل المعجل، و ضربه فأقعصه: أماته مكانه. انظر: اللسان (٣٦٩٣).