الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٤٧ - فتح حمص فيما حكاه أصحاب فتوح الشام
و نحن نحمل فنكذب و يحمل علينا فلا نصبر. قال: و ما بالكم كما تصفون، و هم كما تزعمون؟ قال الشيخ: ما أرانى إلا قد علمت من أين هذا. قال له: و من أين هذا؟ قال:
من أجل أن القوم يقومون الليل و يصومون النهار و يوفون بالعهد و يأمرون بالمعروف و ينهون عن المنكر، و إنا نشرب الخمر، و نرتكب المحارم، و ننقض العهد و نأمر بما يسخط الله و ننهى عما يرضيه و نفسد فى الأرض. قال: صدقتنى، لأخرجن من هذه القرية، و لأدعن هذه البلدة، و ما لى فى صحبتكم من خير و أنتم هكذا. قال: نشدتك الله أيها الملك أن تفعل، تدع سورية جنة الدنيا للعرب و تخرج منها و لما تقاتل و تجهد؟ قال: قد قاتلتموهم غير مرة بأجنادين، و فحل، و دمشق، و الأردن، و فلسطين، و حمص، و فى غير موطن، كل ذلك تنهزمون و تفرون و تغلبون. قال الشيخ: حولك من الروم عدد الحصى و الثرى و الذر، لم يلقهم منهم إنسان، ثم تريد أن تخرج منها و ترجع بهؤلاء جميعا من قبل أن يقاتلوا؟ [١].
فإن هذا الشيخ ليكلمه إذ قدم عليه وفد قيسارية و إيلياء، و سيأتى خبرهم بعد إن شاء الله.
و ذكر الطبرى [٢] عن سيف: أن هرقل لما بلغه الخبر بمقتل أهل المرج أمر أمير حمص بالمضى إليها، و قال له: إنه بلغنى يعنى عن المسلمين، أن طعامهم لحوم الإبل، و شرابهم ألبانها، و هذا الشتاء، فلا تقاتلوهم إلا فى كل يوم بارد، فإنه لا يبقى إلى الصيف منهم أحد هذا جل طعامه، و شرابه، و ارتحل فى عسكره ذلك حتى أتى الرها.
و أقبل أبو عبيدة حتى نزل على حمص، و أقبل خالد بعده حتى ينزل عليها، فكان أهلها يغادون المسلمين و يراوحونهم فى كل يوم بارد، و لقى المسلمون بها بردا شديدا و الروم حصارا طويلا. فأما المسلمون فصبروا و رابطوا، و أفرغ الله عليهم الصبر و أعقبهم النصر، حتى انصرم الشتاء، و إنما تمسك الروم بالمدينة رجاء أن يهلكهم الشتاء. فكانوا يتواصون فيما بينهم و يقولون: تمسكوا فإنهم جفاة، فإذا أصابهم البرد تقطعت أقدامهم مع ما يأكلون و يشربون، فكانت الروم ترجع و قد سقطت أقدام بعضهم فى خفافهم، و إن المسلمين لفى النعال ما أصيب إصبع أحد منهم، حتى إذا انخمس الشتاء، قام فيهم شيخ لهم يدعوهم إلى مصالحة المسلمين، قالوا: كيف و الملك فى عزه و ملكه ليس بيننا و بينهم شيء؟ فتركهم، و قام فيهم آخر و قال: ذهب الشتاء و انقطع الرجاء فما تنتظرون؟
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام (١٤٩- ١٥١).
[٢] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٥٩٩- ٦٠٠).