الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٦ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
و تقدم خالد فى الخيل حتى أطل على الروم، فلما رأوه خرجوا إليه فى الخيل و الرجل جميعا، و قالوا: إن العرب أفرس على الخيل منا، و خيلنا لا تكاد تثبت لخيلهم، فاخرجوا إليهم فى الخيل و الرجال، و كان خالد قد هزم خيلهم بالأمس، فكان ذلك أيضا، مما حملهم على الخروج على هذه التعبئة، خرجوا و هم خمسة صفوف، فأول صف من صفوفهم جعلوا فيه الفارس بين راجلين: رامح و ناشب، و جعلوا صفا من الخيل وراء هذا الصف، و جعلوا له مجنبتين.
ثم صفوا ثلاثة صفوف أخر رجالا كلهم، ثم أقبلوا نحو المسلمين، و هم نحو خمسين ألفا. فكان أول من لقيهم خالد بن الوليد فى الخيل، فأخذ لا يجد عليهم مقدما، و أخذوا يزحفون إليه و يرشقونه بالنشاب، و جعل ينكص هو و أصحابه وراءهم، و أخذت الروم تقدم عليهم و هم يتأخرون، حتى انتهوا إلى صفهم، و دافعت أعجاز كثير من خيلهم صدور رجالهم، ثم إن خالدا بعث إلى قيس بن هبيرة: أن اخرج فى خيلك حتى تأتى ميسرتهم فتحمل عليها، و قال لميسرة بن مسروق: قف قبالة صفهم فى خيلك، و ضمها إليك كتيبة واحدة، فإذا رأيتنا قد حملنا و انتقض صفهم فاحمل على من يليك منهم.
و كان خالد قسم خيله أثلاثا، فجعل للمرادى قيس بن هبيرة، ثلثها، و لميسرة بن مسروق العبسى ثلثها، و كان هو فى ثلثها، فخرج خالد فى ثلث الخيل التي معه حتى انتهى إلى ميمنتهم، فعلاها، حتى إذا ارتفع عليهم أخرجوا إليه خيلا لهم، كما تشغله و أصحابه، فلما دنت منه، قال: الله أكبر، الله أخرجهم لكم من رجالتهم، شدوا عليهم، ثم استعرضهم فشد عليهم، و شد معه أصحابه بجماعة خيلهم، فهزمهم الله، و وضعوا السلاح و السيوف فيهم حيث شاءوا، فصرعوا منهم أكثر من سبعين قبل أن ينتهوا إلى ميمنتهم، و ارتفع قيس بن هبيرة إلى ميسرتهم، فأخرجوا إليه خيلا كما صنعوا بخالد، فحمل عليهم قيس، فهزمهم و ضربهم حتى انتهى إلى ميسرتهم، و قتل منهم بشر كثير، و قتلى عظيمة، و كان واثلة بن الأسقع فى خيل قيس بن هبيرة، فخرج له بطريق من كبارهم، فبرز واثلة و هو يقول فى حملته:
ليث و ليث فى مجال ضنك* * * كلاهما ذو أنف و معك
أجول جول صارم فى العرك* * * أو يكشف الله قناع الشك
مع ظفرى بحاجتى و دركى
ثم حمل على البطريق فضربه ضربة قتله بها، و حملوا بأجمعهم حتى اضطروا الروم إلى عسكرهم، و وقفوا بإزائهم.