الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٥ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
خيل عظيمة، هى أعظم من الخيلين جميعا، عليها بطريق عظيم من بطارقتهم، فجاء حتى إذا دنا من خالد، أمر بشطر خيله، فحملت على خالد و أصحابه، فلم يتخلخل أحد منهم، ثم إنه جمعهم جميعا، فحمل بهم، فلم يبرح أحد من المسلمين، فلما رأى ذلك الرومى انصرف.
فقال خالد لأصحابه: إنه لم يبق من جد القوم و لا حدهم و لا قوتهم إلا ما قد رأيتم، فاحملوا معى يا أهل الإسلام حملة واحدة و اتبعوهم و لا تقلعوا عنهم رحمكم الله. ثم حمل عليهم خالد بمن معه، فكشف من يليه منهم، و حمل قيس بن هبيرة على الذين كانوا يلونه فهزمهم و كشفهم، و حمل ميسرة على الذين كانوا يلونه، فهزمهم، و اتبعهم المسلمون يقتلونهم و يقصفون بعضهم على بعض، حتى اضطروهم إلى عسكرهم و قد رأوا ما أصابهم، فانكسروا و وهنوا و هابوا المسلمين هيبة شديدة، و انصرف المسلمون إلى عسكرهم و قد قرت أعينهم، و اجتمعوا إلى أبى عبيدة و هم مسرورون بما أراهم الله فى عدوهم من عونه لهم عليهم فقال له خالد: إن هزيمتنا خيل المشركين قد دخل رعبها قلوب جماعتهم، فكلهم قلبه مرعوب متخوف لمثلها منا مرة أخرى، فناهض القوم غدا بالغداة ما دام رعب هذه الهزيمة فى قلوبهم، فإنك إن أخرت قتالهم أياما ذهب رعبها من قلوبهم و اجترؤوا علينا. قال أبو عبيدة: فانهضوا على بركة الله غدا بالغداة.
قال عمرو بن مالك القيسى: و لم يكن شيء أحب إلى الروم من التطويل و دفع الحرب، انتظارا لمدد، و لا شيء أحب إلى المسلمين من المناجزة و تعجيل الفراغ.
و قال عبد الله بن قرط: لما كانت الليلة التي خرجنا فى صبيحتها إلى أهل فحل، خرج إلينا أبو عبيدة فى الثلث الباقى من الليل، فلم يزل يعبئ الناس و يحرضهم حتى إذا أصبح صلى بالناس، فكان إلى التغليس أقرب منه إلى التنوير، ثم إنه جعل على ميمنته معاذ بن جبل، و على ميسرته هاشم بن عتبة، و على الرجالة سعيد بن زيد، و على الخيل خالد بن الوليد، ثم زحف أبو عبيدة بالناس، و أخذوا يزفون زفا رويدا على رسلهم.
و ركب أبو عبيدة فاستعرض الصف من أوله إلى آخره، يقف على كل راية و كل قبيلة، و يقول: عباد الله، استوجبوا من الله النصر بالصبر، فإن الله مع الصابرين، عباد الله، ليبشر من قتل منكم بالشهادة، و من بقى بالنصر و الغنيمة، و لكن وطنوا أنفسكم على القتال و الطعن بالرماح، و الضرب بالسيوف، و الرمى بالنبل، و معانقة الأقران، فإنه و الله ما يدرك ما عند الله إلا بطاعته و الصبر فى المواطن المكروهة التماس رضوانه.