الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣٣ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
لأراكم ستتمنون أنكم قبلتم منا دون ما عرضنا عليكم. فقال أبو عبيدة: لا و الله، لا نقبل هذا منك و لا من غيرك أبدا، فانصرف الرومى رافعا يديه إلى السماء يقول: اللهم إنا قد أنصفناهم فأبوا، اللهم فانصرنا عليهم. و وثب أبو عبيدة مكانه، فسار فى الناس، و قال: أصبحوا أيها الناس و أنتم تحت راياتكم و على مصافكم. فأصبح الناس و خرجوا على تعبئتهم و مصافهم [١].
و كتب أبو عبيدة إلى عمر: لعبد الله عمر أمير المؤمنين، من أبى عبيدة بن الجراح.
سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإن الروم قد أقبلت، فنزلت طائفة منهم فحلا مع أهلها، و قد سارع إليهم أهل البلد، و من كان على دينهم من العرب، و قد أرسلوا إلىّ: أن اخرجوا من بلادنا، فإنكم لستم لهذه البلاد التي تنبت الحنطة و الشعير و الفواكه و الأعناب أهلا، و الحقوا ببلادكم، بلاد الشقاء و البؤس، فإن أنتم لم تفعلوا سرنا إليكم بما لا قبل لكم به، ثم أعطينا الله عهدا أن لا ننصرف عنكم و فيكم عين تطرف، فأرسلت إليهم:
أما قولكم: اخرجوا من بلادنا، فلستم لما تنبت أهلا، فلعمرى ما كنا لنخرج عنها و قد أورثناها الله تعالى، و نزعها من أيديكم، و إنما البلاد بلاد الله، و العباد عباد الله، و هو سبحانه ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، و ينزع الملك ممن يشاء، و يعز من يشاء، و يذل من يشاء.
و أما ما ذكرتم من بلادنا، و زعمتم أنها بلاد البؤس و الشقاء، فقد صدقتم، و قد أبدلنا الله بها بلادكم، بلاد العيش الرفيع، و السعر الرخيص، و الجناب الخصيب، فلا تحسبونا تاركيها و لا منصرفين عنها، و لكن أقيموا لنا، فو الله لا نجشمكم إتياننا و لنأتينكم إن أقمتم لنا.
و كتبت إليك حين نهضت إليهم متوكلا على الله، راضيا بقضاء الله، واثقا بنصر الله، فكفانا الله و إياك كيد كل كائد، و حسد كل حاسد، و نصر الله أهل دينه نصرا عزيزا، و فتح لهم فتحا يسيرا، و جعل لهم من لدنه سلطانا نصيرا، و السلام عليك.
و دفع أبو عبيدة هذا الكتاب إلى نبطى من أنباط الشام، و قال له: ائت به أمير المؤمنين، ثم نهض هو إلى الروم بجماعة المسلمين، فدنا منهم، و تعرضت خيل المسلمين لهم، فلم يخرجوا يومئذ، فانصرف المسلمون عنهم من غير قتال، و تأخر النبطى عن
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (١١٤) و ما بعدها.