الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٣١ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
ثانى اثنين و لا ثالث ثلاثة، و لا أن لله عز و جل، ولدا و لا صاحبة، و لا أن مع الله آلهة أخرى، لا إله إلا هو، تعالى عما تقولون علوا كبيرا، و أنتم تقولون فى عيسى قولا عظيما، و لو أنكم قلتم فى عيسى كما نقول، و آمنتم بنبوة نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) كما تجدونه فى كتابكم، و كما نؤمن نحن بنبيكم، و أقررتم بما جاء به من عند الله، و وحدتم الله، ما قاتلناكم، بل سالمناكم و واليناكم و قاتلنا عدوكم معكم.
فلما فرغ معاذ من مخاطبتهم قالوا له: ما نرى ما بيننا و بينكم إلا متباعدا، و قد بقيت خصلة و نحن عارضوها عليكم، فإن قبلتموها منا فهو خير لكم، و إن أبيتم فهو شر لكم:
نعطيكم البلقاء و ما و الى أرضكم من سواد الأردن، و تتحولون عن بقية أرضنا، و عن مدائننا، و نكتب عليكم كتابا نسمى فيه خياركم و صالحاءكم، و نأخذ فيه عهودكم و مواثيقكم أن لا تطلبوا من أرضنا غير ما صالحناكم عليه، و عليكم بأهل فارس فقاتلوهم و نحن نعينكم عليهم حتى تقتلوهم أو تظهروا عليهم.
فقال لهم معاذ: هذا الذي تعطوننا هو كله فى أيدينا، و لو أعطيتمونا جميع ما فى أيديكم مما لم نظهر عليه و منعتمونا خصلة من الخصال الثلاث التي وصفت لكم ما فعلنا. فغضبوا، و قالوا: أ نتقرب منكم و تتباعد منا، اذهب إلى أصحابك، فو الله إنا لنرجو أن نقرنكم غدا فى الحبال. فقال معاذ: أما فى الحبال فلا، و لكن و الله لتقتلننا عن آخرنا أو لنخرجنكم منها أذلة و أنتم صاغرون.
ثم انصرف إلى أبى عبيدة فأخبره بما قالوا و ما رد عليهم. فإنهم لكذلك إذ بعثوا إلى أبى عبيدة: إنك بعثت إلينا رجلا لا يقبل النصف، و لا يريد الصلح، فلا نرى أ عن رأيك ذلك أم لا، و إنا نريد أن نبعث إليك رجلا منا يعرض عليك النصف، و يدعوك إلى الصلح، فإن قبلت ذلك منه فلعله يكون خيرا لنا و لك، و إن أبيت فلا نراه إلا شرا لك [١].
فقال لهم أبو عبيدة: ابعثوا من شئتم. فبعثوا إليه رجلا منهم، طويلا أحمر أزرق، فلما جاء المسلمين لم يعرف أبا عبيدة من القوم، و لم يدر أ فيهم هو أم لا، و لم ير هيبة مكان أمير، فقال: يا معشر العرب، أين أميركم؟ قالوا له: هو ذا، فنظر فإذا هو بأبى عبيدة جالسا على الأرض عليه الدرع، و هو متنكب القوس، و فى يده أسهم يقلبها، فقال له:
أنت أمير هؤلاء الناس؟ قال: نعم، قال: فما جلوسك على الأرض؟ أ رأيت لو كنت
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى (١١٣) و ما بعدها.