الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٢٨ - وقعة فحل حسبما فى كتب فتوح الشام
اخرج أنت و من معك من بلادنا التي تنبت الحنطة و الشعير و الفواكه و الأعناب، فلستم لها بأهل، و ارجعوا إلى بلادكم، بلاد البؤس و الشقاء، و إلا أتيناكم فيما لا قبل لكم به، ثم لم ننصرف عنكم و فيكم عين تطرف.
فرد عليهم أبو عبيدة: أما قولكم: أخرجوا من بلادنا فلستم لها بأهل، فلعمرى ما كنا لنخرج عنها و قد أورثناها الله و نزعها من أيديكم، و إنما البلاد بلاد الله، و العباد عباد الله، و الله ملك الملوك، يؤتى الملك من يشاء، و ينزع الملك ممن يشاء، و يعز من يشاء، و يذل من يشاء. و أما قولكم فى بلادنا أنها بلاد البؤس و الشقاء، فصدقتم، إنها لكذلك، و قد أبدلنا الله بها بلادكم، بلاد العيش الرفيع و السعر الرخيص و الجناب الخصيب، فلا تحسبونا تاركيها و لا منصرفين عنها حتى نفنيكم أو نخرجكم منها، و لكن أقيموا، فو الله لا نجشمكم أن تأتونا، و لنأتينكم إن أنتم أقمتم لنا، فلا نبرح حتى نبيد خضراءكم، و نستأصل شأفتكم إن شاء الله تعالى.
فلما جاءهم ذلك عنهم أيقنوا بجد القوم، فأرسلوا إليهم، أن ابعثوا إلينا رجلا من صالحائكم نسأله عما تريدون و ما تسألون و ما تدعون إليه، و نخبره بذات أنفسنا، و ندعوكم إلى حظكم إن قبلتم.
فأرسل إليهم أبو عبيدة، معاذ بن جبل، فأتاهم على فرس له، فلما دنا منهم نزل عن فرسه، ثم أخذ بلجامه و أقبل إليهم يقوده، فقالوا لبعض غلمانهم: انطلق إليه فأمسك له فرسه، فجاء الغلام ليفعل، فقال له معاذ: أنا أمسك فرسى، لا أريد أن يمسكه أحد غيرى، و أقبل يمشى إليهم، فإذا هم على فرش و بسط و نمارق تكاد الأبصار تغشى منها، فلما دنا من تلك الثياب قام قائما، فقال له رجل منهم: أعطنى هذه الدابة أمسكها لك، و ادن أنت فاجلس مع هذه الملوك مجالسهم، فإنه ليس كل أحد يقدر أن يجلس معهم، و قد بلغهم عنك صلاح و فضل فيمن أنت منه، فهم يكرهون أن يكلموك جلوسا و أنت قائم.
فقال لهم معاذ، و الترجمان يفسر لهم ما يقول: إن نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) أمرنا أن لا نقوم لأحد من خلق الله، و لا يكون قيامنا إلا الله فى الصلاة و العبادة و الرغبة إليه، فليس قيامى هذا لكم، و لكن قمت إعظاما للمشى على هذه البسط و الجلوس على هذه النمارق التي استأثرتم بها على ضعفائكم، و إنما هى من زينة الدنيا و غرورها، و قد زهد الله فى الدنيا و ذمها، و نهى عن البغى و السرف فيها، فأنا أجلس هاهنا على الأرض، و كلمونى أنتم