الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢١٧ - استخلاف عمر بن الخطاب
و الرهبة، و إذا كانت رغبة الناس بعضهم إلى بعض، و رهبة بعضهم من بعض فى صلاح دنياهم، و كتبتما تعوذان بالله من أن أنزل كتابكما من قلبى سوى المكان الذي تنزلانه من قلوبكما، فإنكما كتبتما لى نظرا لى، و قد صدقتما، و لا غنى بى عن كتابكما، فتعاهدانى بكتبكما، و السلام.
و ذكر المدائنى و غيره عن صالح بن كيسان، قال: أول كتاب كتبه عمر حين ولى إلى أبى عبيدة يوليه على جند خالد بن الوليد: أوصيك بتقوى الله الذي يبقى و يفنى ما سواه، الذي هدانا من الضلالة، و أخرجنا من الظلمات إلى النور. و قد استعملتك على جند خالد بن الوليد، فقم بأمرهم الذي يحق لله عليك، لا تقدم المسلمين إلى هلكة رجاء غنيمة، و لا تنزلهم منزلا قبل أن تستريده لهم، و تعلم كيف مأتاه، و لا تبعث سرية إلا فى كثف من الناس، و إياك و إلقاء المسلمين فى الهلكة، و قد أبلاك الله و أبلى بك، فغمض بصرك عن الدنيا، و أله قلبك عنها، و إياك أن تهلكك كما أهلكت من كان قبلك، فقد رأيت مصارعهم [١].
و عن عباس بن سهيل بن سعد قال: قدم شداد بن أوس بعهد أبى عبيدة، فدفعه إليه، و شداد شاك، فنزل مع أبى عبيدة و معاذ بن جبل فى منزلهما و أمرهما واحد، فكانا يقومان إليه حتى تماثل، فمكث أبو عبيدة خمس عشرة ليلة يصلى خالد بالناس و يأمر بالأمر، و ما يعلم أن أبا عبيدة الأمير، حتى جاء كتاب من عمر إلى أبى عبيدة، فكره أن يخفيه، و كان فى كتابه إليه: أما بعد، فإنك فى كنف من المسلمين، و عدد يكفى حصار دمشق، فابعث سراياك فى أرض حمص و دمشق و ما سواهما من الشام، و لا يبعثنك قولى هذا على أن تعرى عسكرك فيطمع فيك عدوك، و لكن نظر برأيك فما استغنيت عنه منهم فسيرهم، و ما احتجت إليه منهم فاحتبسهم عندك، و ليكن فيمن تحتبس عندك خالد ابن الوليد، فإنه لا غنى بك عنه، و السلام.
فلما قرأ أبو عبيدة كتابه على الناس، قال خالد: يرحم الله أبا بكر، لو كان حيا ما عزلنى. و ولى عمر فولى أبا عبيدة، فعافى الله أبا عبيدة، كيف لم يعلمنى بولايته علىّ ثم أتى أبا عبيدة، فقال له: رحمك الله، أنت الأمير و الوالى علىّ و لا تعلمنى؟ و أنت تصلى خلفى و السلطان سلطانك. فقال له أبو عبيدة: ما كنت لأعلمك به أبدا حتى تعلمه من عند غيرى، و ما سلطان الدنيا و إمارتها؟ فإن كل ما ترى يصير إلى زوال، و إنما نحن أخوان فإننا أمة إخوة أو أمر عليه لم يضره ذلك فى دينه و لا دنياه، بل لعل الوالى أن
[١] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٤٣٤)، المنتظم لابن الجوزى (٤/ ٢٣٥- ١٣٦).