الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢١٦ - استخلاف عمر بن الخطاب
قال: ثم إن الرسول وثب لينصرف فقالا له: سبحان الله، انتظر نكتب معك. فكتب:
بسم الله الرحمن الرحيم من أبى عبيدة بن الحراج و معاذ بن جبل إلى عمر بن الخطاب، سلام عليك، فإنا نحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد، فإنا عهدناك و أمر نفسك لك مهم، فأصبحت قد وليت أمر هذه الأمة أحمرها و أسودها يجلس بين يديك، الشريف و الوضيع، و العدو و الصديق، و الضعيف و الشديد، و لكل حصته من العدل، فانظر كيف تكون عند ذلك يا عمر، إنا نذكرك يوما تبلى فيه السرائر، و تكشف فيه العورات، و تنقطع فيه الحجج، و تزاح فيه العلل، و تجب فيه القلوب، و تعنو فيه الوجوه لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالناس له داخرون، ينتظرون قضاءه، و يخافون عقابه، و يرجون رحمته.
و إنا كنا نتحدث على عهد نبينا (صلى اللّه عليه و سلم) أنه سيكون فى آخر الزمان و يروى: فى هذه الأمة، رجال يكونون إخوان العلانية أعداء السريرة، و إنا نعوذ بالله أن ينزل كتابنا منك بغير المنزلة التي هو بها من أنفسنا، و السلام.
فمضى الرسول بهذا الكتاب، و قال أبو عبيدة لمعاذ: و الله ما أمرنا عمر أن نظهر وفاة أبى بكر للناس، و لا ننعاه إليهم، فما أرى أن نذكر من ذلك شيئا دون أن يكون هو يذكره. فقال له معاذ: فإنك نعم ما رأيت. فسكتا، فلم يذكرا للناس شيئا، و لم يلبثا إلا مقدار ما قدم رسول عمر إليه حتى بعث إليهما بجواب كتابهما، و بعهد أبى عبيدة، و أمره بعظة الناس. و كان جوابه عن كتابهما: بسم الله الرحمن الرحيم من عبد الله عمر أمير المؤمنين، إلى أبى عبيدة بن الجراح و معاذ بن جبل، سلام عليكما، فإنى أحمد إليكما الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإنى أوصيكما بتقوى الله، فإنه رضاء ربكما و حفظ أنفسكما، و غنيمة الأكياس لأنفسهم عند تفريط العجزة، و قد بلغنى كتابكما تذكران أنكما عهدتمانى و أمر نفسى إلىّ مهم، و ما يدريكما؟ و كتبتما تذكران أنى وليت أمر هذه الأمة، يقعد بين يدى العدو و الصديق، و القوى و الضعيف، و لكل علىّ حصته من العدل، و تسألانى: كيف بى عند ذلك؟ و إنه لا حول و لا قوة إلا بالله، و كتبتما تخوفانى بيوم هو آت، يوم تحبب فيه القلوب، و تعنوا فيه الوجوه، و تنقطع فيه الحجج، و تزيح فيه العلل، لعزة ملك قهرهم بجبروته، فالخلق له داخرون، ينتظرون قضاءه و يخافون عقابه، و كأن ذلك قد كان، هذا الليل و النهار، يبليان كل جديد، و يقربان كل بعيد، و يأتيان بكل موعود، حتى يكون الناس بأعمالهم فريقا فى الجنة و فريقا فى السعير، و كتبتما تذكران أنكما كنتما تحدثان على عهد رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم) أنه سيكون فى آخر الزمان إخوان العلانية أعداء السريرة، و أن هذا ليس بزمان ذلك، و لا أنتم أولئك، و إنما ذلكم إذا ظهرت الرغبة