الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ٢٠٠ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
لخرجنا إليهم بعد ما جاءنا مدد أهل بعلبك و أهل بصرى بيوم، فلخرجنا و إنا لأكثر من خالد و أصحابه بعشرة أضعافهم و أكثر، فما هو إلا أن دنونا منهم، فثاروا فى وجوهنا بالسيوف كأنهم الأسد، فانهزمنا أقبح الهزيمة، و قتلونا شر المقتلة، فما عدنا نخرج إليهم حتى صالحناهم، و لقد رأيت رجلا منا كنا نعده بألف رجل، قال: لئن رأيت أميرهم لأقتلنه، فلما رأى خالدا قيل له: هذا خالد أمير القوم، فحمل عليه، و إنا لنرجو لبأسه أن يقتله، فما هو إلا أن دنا منه، فضرب خالد فرسه، فقدمه عليه، ثم استعرض وجهه بالسيف فأطار قحف رأسه، و دخلنا مدينتنا، فما كان لنا هم إلا الصلح حتى صالحناهم.
و عن قيس بن أبى حازم قال: كنت مع خالد حين مر بالشام، فأقبل حتى نزل بقناة بصرى من أرض حوران، و هى مدينتها، فلما نزلنا و اطمأننا خرج إلينا الدرنجار [١] فى خمسة آلاف فارس من الروم، فأقبل إلينا و ما يظن هو و أصحابه إلا أنا فى أكفهم، فخرج خالد فصفنا، ثم جعل على ميمنتنا رافع بن عميرة الطائى، و على ميسرتنا ضرار بن الأزور، و على الرجال عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، و قسم خيله، فجعل على شطرها المسيب بن نجية، و على الشطر الآخر رجلا كان معه من بكر بن وائل، و لم يسمه، و أمرهما خالد حين قسم الخيل بينهما أن يرتفعا من فوق القوم عن يمين و شمال، ثم ينصبا على القوم، ففعلا ذلك، و أمرنا خالد أن نزحف إلى القلب، فزحفنا إليهم، و الله ما نحن إلا ثمانمائة و خمسون رجلا، و أربعمائة رجل من مشجعة من قضاعة، استقبلنا بهم يعبوب رجل منهم، فكنا ألفا و مائتين و نيفا.
قال: و كنا نظن أن الكثير من المشركين و القليل عند خالد سواء، لأنه كان لا يملأ صدره منهم شيء، و لا يبالى بمن لقى منهم لجرأته عليهم، فلما دنوا منا شدوا علينا شدتين، فلم نبرح، ثم إن خالدا نادى بصوت له جهورى شديد عال، فقال: يا أهل الإسلام، الشدة، الشدة، احملوا رحمكم الله، عليهم، فإنكم إن قاتلتموهم محتسبين بذلك وجه الله فليس لهم أن يواقفوكم ساعة، ثم إن خالدا شد عليهم، فشددنا معه، فو الله الذي لا إله إلا هو ما ثبتوا لنا فواقا حتى انهزموا، فقتلنا منهم فى المعركة مقتلة عظيمة، ثم اتبعناهم نكردهم [٢] و نصيب الطرف منهم، و نقطعهم عن أصحابهم، ثم نقتلهم، فلم نزل كذلك حتى انتهينا إلى مدينة بصرى، فأخرج لنا أهلها الأسواق، و استقبلوا المسلمين
[١] الدرنجار: أى قائد الروم البيزنطيين.
[٢] نكردهم: أى نطردهم.