الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٩٤ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
و وافى خالدا كتاب أبى بكر هذا و هو بالحيرة [١]، منصرفا من حجة حجها مكتتما بها، و ذلك أنه لما فرغ من إيقاعه بالروم و من انضوى إليهم مغيثا لهم من مسالح فارس بالفراض، و الفراض تخوم الشام و العراق و الجزيرة، أقام بالفراض عشرا، ثم أذن بالقفل إلى الحيرة لخمس بقين من ذى القعدة، و أمر عاصم بن عمرو أن يسير بهم، و أمر شجرة بن الأعز أن يسوقهم، و أظهر خالد أنه فى الساقة.
و خرج من الحيرة و معه عدة من أصحابه يعتسف البلاد حتى أتى مكة بالسمت فتأتى له من ذلك ما لم يتأت لدليل و لا رئبال فسار طريقا من طريق الجزيرة، لم ير طريقا أعجب منه، فكانت غيبته عن الجند يسيرة، ما توافى إلى الحيرة آخرهم حتى وافاهم مع صاحب الساقة الذي وضعه، و قدما معا، و خالد و أصحابه محلقون، و لم يعلم بحجه إلا من أفضى إليه بذلك من الساقة، و لم يعلم أبو بكر (رحمه الله)، بذلك إلا بعد، فهو الذي يعنيه بما تقدم فى كتاب إليه من معاتبته إياه [٢].
و قدم على خالد بالكتاب عبد الرحمن بن حنبل الجمحى، فقال له خالد قبل أن قرأ كتابه: ما وراءك؟ فقال: خير، تسير إلى الشام. فشق عليه ذلك و قال: هذا عمل عمر، نفس علىّ أن يفتح الله على العراق.
و كانت الفرس قد هابوه هيبة شديدة، و كان خالد إذا نزل بقوم من المشركين عذابا من عذاب الله عليهم، و ليثا من الليوث.
فلما قرأ كتاب أبى بكر و رأى أنه قد ولاه على أبى عبيدة و على الشام، كأن ذلك سخا بنفسه. و قال: أما إذ ولاني، فإن فى الشام من العراق خلفا، فقام إليه النسير بن ديسم العجلى، و كان من أشراف بنى عجل و فرسان بكر بن وائل، و من رءوس أصحاب المثنى بن حارثة، فقال لخالد: أصلحك الله، و الله ما جعل الله فى الشام من العراق خلفا، للعراق أكثر حنطة و شعيرا و ديباجا و حريرا و فضة و ذهبا، و أوسع سعة، و أعرض عرضا، و الله ما الشام كله إلا كجانب من العراق، فكره المثنى مشورته عليه، و كان يحب أن يخرج عن العراق و يخليه و إياها.
[١] الحيرة: قال الهمدانيّ: سار تبع أبو كرب فى غزوته فلما أتى موضع الحيرة خلف هنالك مالك بن فهم بن غنم بن دوس على أثقاله و خلف معه من ثقل من أصحابه فى نحو اثنى عشر ألفا و قال: تحيروا هذا الموضع، فسمى الموضع الحيرة، فما لك أول ملوك الحيرة و أبوهم. و كانت الحيرة على ثلاثة أميال من الكوفة، و الحيرة على النجف، و النجف كان على ساحل البحر الملح، و كان فى سالف الدهر يبلغ الحيرة. انظر: الروض المعطار (٢٠٧).
[٢] انظر: تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٤).