الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٩٠ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
فقال له عمر: لا أكذبك، ما كنت لأكلمه فى ذلك، لأنه لا يوافقنى أن يبعثك على أبى عبيدة، و أبو عبيدة أفضل منزلة عندنا منك، قال: فإنه لا ينقص أبا عبيدة شيئا من فضله أن ألي عليه، فقال له: ويحك يا عمرو، إنك و الله ما تطلب بهذه الرئاسة إلا شرف الدنيا، فاتق الله و لا تطلب بشيء من سعيك إلا وجه الله، و اخرج فى هذا الجيش، فإنك إن يكن عليك أمير فى هذه المرة فما أسرع ما تكون إن شاء الله أميرا ليس فوقك أحد، فقال: قد رضيت.
فخرج و استتب له المسير، فلما أراد الشخوص خرج معه أبو بكر يشيعه، و قال: يا عمرو، إنك ذو رأى و تجربة للأمور، و بصر بالحرب، و قد خرجت فى أشراف قومك، و رجال من صالحاء المسلمين، و أنت قادم على إخوانك فلا تألوهم نصيحة و لا تدخر عنهم صالح مشورة، فرب رأى لك محمود فى الحرب، مبارك فى عواقب الأمور. فقال له عمرو: ما أخلق أن أصدق ظنك و لأفنك رأيك، ثم ودعه و انصرف عنه، فقدم الشام، فعظم غناؤه و بلاؤه عند المسلمين.
و كتب أبو بكر (رحمه الله)، إلى أبى عبيدة: أما بعد، فقد جاءنى كتابك تذكر فيه تيسر عدوكم لمواقعتكم، و ما كتب به إليهم ملكهم من عدته إياهم أن يمدهم من الجنود بما تضيق به الأرض الفضاء، و لعمر الله لقد أصبحت الأرض ضيقة عليه برحبها، و ايم الله ما أنا بيائس أن تزيلوه من مكانه الذي هو به عاجلا إن شاء الله تعالى، فبث خيلك فى القرى و السواد، و ضيق عليهم بقطع الميرة، و لا تحاصر المدائن حتى يأتيك أمرى، فإن ناهضوك فانهض إليهم، و استعن بالله عليهم، فإنه ليس يأتيهم مدد إلا أمددناكم بمثلهم أو ضعفهم، و ليس بكم و الحمد لله قلة و لا ذلة، و لأعرفن ما جبنتم عنهم، فإن الله فاتح لكم، و مظهركم على عدوكم، و معزكم بالنصر، و ملتمس منكم الشكر، لينظر كيف تعملون، و عمرو فأوصيك به خيرا، فقد أوصيته أن لا يضيع لك حقا، و السلام عليك.
و جاء عمرو بالناس حتى نزل بأبى عبيدة، و كان عمرو فى مسيره ذلك إلى الشام، فيما حدث به عمرو بن شعيب، يستنفر من مر بهم من الأعراب، قال: فتبعه منهم ناس كثير، فلما اجتمعوا هم و من كان قدم بهم معه من المدينة، كانوا نحوا من ألفين، فلما قدم بهم على أبى عبيدة سر بهم هو و الناس الذين معه، و استأنس بهم، و كان عمرو ذا رأى فى الحرب و بصر بالأشياء، فقال له أبو عبيدة: أبا عبد الله، رب يوم شهدته فبورك للمسلمين فيه برأيك و محضرك، إنما أنا رجل منكم، لست و إن كنت الوالى عليكم بقاطع