الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٨١ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
(صلى اللّه عليه و سلم)، ثم على ذات المنار [١]، ثم على زبرا [٢]، ثم ساروا إلى مؤب [٣] بعمان، فخرج إليهم الروم، فلم يلبثهم المسلمون أن هزموهم حتى دخلوا مدينتهم، فحاصروهم فيها، و صالح أهل مؤب عليها، فكانت أول مدائن الشام صالح أهلها، ثم سار أبو عبيدة حتى إذا دنا من الجابية [٤] أتاه آت فخبره أن هرقل بأنطاكية، و أنه قد جمع لكم من الجموع ما لم يجمعه أحد كان قبله من آبائه لأحد من الأمم قبلكم، فكتب أبو عبيدة إلى أبى بكر رضى الله عنهما:
بسم الله الرحمن الرحيم. لعبد الله أبى بكر، خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، من أبى عبيدة بن الجراح، سلام عليك، فإنى أحمد إليك الله الذي لا إله إلا هو. أما بعد، فإنا نسأل الله أن يعز الإسلام و أهله عزا مبينا، و أن يفتح لهم فتحا يسيرا، فإنه بلغنى أن هرقل ملك الروم، نزل قرية من قرى الشام تدعى بأنطاكية، و أنه بعث إلى أهل مملكته فحشدهم إليه، و إنهم نفروا إليه على الصعب و الذلول، و قد رأيت أن أعلمك ذلك فترى فيه رأيك، و السلام عليك و رحمة الله تعالى.
فكتب إليه أبو بكر: بسم الله الرحمن الرحيم. أما بعد، فقد بلغنى كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه من أمر هرقل ملك الروم، فأما منزله بأنطاكية فهزيمة له و لأصحابه، و فتح من الله عليك و على المسلمين، و أما حشده أهل مملكته و جمعه لكم الجموع، فإن ذلك ما قد كنا و كنتم تعلمون أنه سيكون منهم، ما كان قوم ليدعوا سلطانهم و لا ليخرجوا من مملكتهم بغير قتال، و لقد علمت و الحمد لله أن قد غزاهم رجال كثير من المسلمين يحبون الموت حب عدوهم الحياة، يحتسبون من الله فى قتالهم الأجر العظيم، و يحبون الجهاد فى سبيل الله أشد من حبهم أبكار نسائهم و عقائل أموالهم، الرجل منهم عند الهيج خير من ألف رجل من المشركين، فالقهم بجندك، و لا تستوحش لمن غاب من المسلمين، فإن الله تعالى ذكره معك، و أنا مع ذلك ممدك بالرجال بعد الرجال حتى تكتفى و لا تريد أن تزداد، و السلام عليك. و بعث بهذا الكتاب مع دارم العبسى.
[١] ذات المنار: موضع فى أول بادية الشام مما يلى الحجاز. انظر: الروض المعطار (٥١٧).
[٢] الزبرا: المكان المرتفع من الأرض، و يقصد: أحد أماكن البلقاء فى الأردن.
[٣] مؤب: من قرى الشام من أرض البلقاء، ذكرها ابن الحميرى فى الروض المعطار (٥١٧)، و ذكر قصة خروج أبى عبيدة.
[٤] الجابية: بالشام، و قال البكرى: هى قنسرين، و بين الجابية و منبج أربعة فراسخ، و من حلب إليها ستة فراسخ. انظر: الروض المعطار (١٥٣).