الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٧٩ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
و كان قدومهم على أبى بكر بعد مسير الأمراء كلهم إلى الشام، فقال أبو بكر: قد اخترت لك أفضل أمرائنا أميرا، و أقدم المهاجرين هجرة، الحق بأبى عبيدة بن الجراح، فقد رضيت لك صحبته، و حمدت لك أدبه، فنعم الرفيق فى السفر، و نعم الصاحب فى الحضر.
قال: فقلت لأبى بكر: فقد رضيت لخيرتك التي اخترت لى. فاتبعته حتى لحقته بالشام فشهدت معه مواطنه كلها، لم أغب عن يوم منها.
و عن أبى سعيد المقبرى قال: قدم ابن ذى السهم الخثعمى على أبى بكر و جماعة من خثعم فوق تسعمائة و دون ألف، فقال لأبى بكر: إنا تركنا الديار و الأصول، و العشائر و الأموال، و أقبلنا بنسائنا و أبنائنا، و نحن نريد جهاد المشركين، فما ذا ترى لنا فى أولادنا و نسائنا؟ أ نخلفهم عندك و نمضى؟ فإذا جاء الله بالفتح بعثنا إليهم فأقدمناهم علينا؟ أم ترى لنا أن نخرجهم معنا و نتوكل على الله ربنا؟.
فقال أبو بكر: سبحان الله، يا معشر المسلمين، هل سمعتم أحدا ممن سار من المسلمين إلى أرض الروم و أرض الشام ذكر من الأولاد و النساء مثل ما ذكر أخو خثعم؟
أما إنى أقسم لك يا أخا خثعم، لو سمعت هذا القول منك و الناس مجتمعون عندى قبل أن يشخصوا لأحببت أن أحبس عيالاتهم عندى و أسرحهم ليس معهم من النساء و الأبناء ما يشغلهم و يهمهم حتى يفتح الله عليهم و معهم ذراريهم، و لك بجماعة المسلمين أسوة، و أنا أرجو أن يدفع الله بعزته عن حرمة الإسلام و أهله، فسر فى حفظ الله و كنفه، فإن بالشام أمراء قد وجهناهم إليها، فأيهم أحببت أن تصحبه، فسار حتى لقى يزيد بن أبى سفيان فصحبه.
و عن يحيى بن هانئ بن عروة أن أبا بكر كان أوصى أبا عبيدة بقيس بن مكشوح و قال له: إنه قد صحبك رجل عظيم الشرف، فارس من فرسان العرب، لا أظن له عظيم حسبة و لا كبير نية فى الجهاد، و ليس بالمسلمين غنى عن مشورته و رأيه و بأسه فى الحرب، فأدنه و الطفه و أره أنك غير مستغن عنه و لا مستهين بأمره، فإنك تستخرج منه بذلك نصيحة لك، و جهده و جده على عدوك، و دعا أبو بكر قيسا فقال له: إنى قد بعثتك مع أبى عبيدة الأمين، الذي إذا ظلم كظم، و إذا أسىء إليه غفر، و إذا قطع وصل، رحيم بالمؤمنين، شديد على الكافرين، فلا تعصين له أمرا، و لا تخالفن له رأيا، فإنه لن يأمرك إلا بخير، و قد أمرته أن يسمع منك، فلا تأمره إلا بتقوى الله، فقد كنا نسمع أنك