الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٧٦ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
الأرض من المهاجرين و لا غيرهم من أعدله بك، و لا بهذا، يعنى عمر، (رحمه الله)، و لا له عندى فى المنزلة إلا دون ما لك. فقال أبو عبيدة: رحمك ربك يا خليفة رسول الله، هذا كان ظنى بك.
قال: فانصرف، فلما كان من الغد خرج أبو بكر فى رجال من المسلمين على رواحلهم، حتى أتى أبا عبيدة، فسار معه حتى بلغ ثنية الوداع، ثم قال حين أراد أن يفارقه: يا أبا عبيدة، اعمل صالحا، و عش مجاهدا، و لتتوف شهيدا، و ليعطك الله كتابك بيمينك، و يقر عينك فى دنياك و آخرتك، فو الله إنى لأرجو أن تكون من التوابين الأوابين الزاهدين فى الدنيا الراغبين فى الآخرة، إن الله تبارك و تعالى قد صنع بك خيرا و ساقه إليك إذ جعلك تسير فى جيش من المسلمين تقاتل به من كفر بالله و عبد غيره.
فقال أبو عبيدة: رحمك الله يا خليفة رسول الله، فنشهد بفضلك فى إسلامك، و مناصحتك الله، و مجاهدتك بعد رسول الله من تولى عن دين الله حتى ردهم الله بك إلى الدين و هم صاغرون، و نشهد أنك رحيم بالمؤمنين، ذو غلظة على الكافرين، فبورك لك فيما عملت، و سددت فيما حملت، إن أكن صالحا فلربى المنة علىّ بصلاحى، و إن أكن فاسدا فهو ولى إصلاحى، و أما أنت فنرى أن نجيبك إذا دعوت، و أن نطيعك إذا أمرت.
ثم إنه تأخر، و تقدم إليه معاذ بن جبل فقال: يا خليفة رسول الله، إنى أردت أن يكون ما أكلمك به الآن بالمدينة قبل شخوصنا عنها، ثم بدا لى أن أؤخر ما أردت من ذلك حتى يكون عند وداعى، فيكون ذلك آخر ما أفارقك عليه، قال: هات يا معاذ، فو الله إنك ما علمت لسديد القول، موفق الرأى، رشيد الأمر، فأدنى راحلته، و مقود فرسه فى يده، و هو متنكب القوس و متقلد السيف، فقال: إن الله تعالى بعث محمدا (صلى اللّه عليه و سلم)، برسالته إلى خلقه، فبلغ ما أحب أن يبلغ، و كان كما أحب ربه أن يكون، فقبضه الله إليه و هو محمود مبرور (صلوات الله عليه و بركاته)، إنه حميد مجيد، جزاه الله عن أمته كأحسن ما يجزى النبيين، ثم إن الله تعالى استخلفك أيها الصديق عن ملأ من المسلمين، و رضى منهم بك، فارتد مرتدون، و أرجف مرجفون، و رجعت راجعة عن هذا الدين، فأدهن بعضنا، و حار جلنا، و أحب المهادنة و الموادعة طائفة منا، و اجتمع رأى الملأ الأكابر منا أن يتمسكوا بدينهم و يعبدوا الله حتى يأتيهم اليقين، و يدعوا الناس و ما ذهبوا إليه، فلم ترض منهم بشيء كان رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، يرده عليهم، فنهضت بالمسلمين، و شمرت للمجرمين، و شددت بالمطيع المقبل على العاصى المدبر، حتى أجاب إلى الحق من كان عند عنه،