الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٧١ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
لأبى بكر: أما إنك كنت وليتنى أمر الناس، و أنت لى غير متهم، و رأيك فىّ حسن حتى خوفت منى أمرا، و الله لأن أخر من رأس حالق أو تخطفنى الطير فى الهواء بين الأرض و السماء أحب إلىّ من أن يكون ما ظن، و الله ما أنا فى الإمارة براغب، و لا على البقاء فى الدنيا بحريص، و إنى أشهدكم أنى و إخوتي و فتيانى و من أطاعنى من أهلى جيش فى سبيل الله نقاتل المشركين أبدا حتى يهلكهم الله أو نموت، لا نريد به حمد الناس و لا جزاءهم، فقال له الناس خيرا، و دعوا له به، و قال أبو بكر (رحمه الله): أوتيت فى نفسى و ولدى ما أحب لك و لإخوتك، و الله إنى لأرجو أن تكون من نصحاء الله فى عباده، و إقامة كتابه، و اتباع سنة رسوله [١].
فخرج هو و إخوته و غلمته و من معه، فكان أول خلق الله عسكر، ثم خرج الناس إلى معسكرهم من عشرة و عشرين و ثلاثين و أربعين و خمسين و مائة فى كل يوم حتى اجتمع الناس و كثروا، فخرج أبو بكر ذات يوم، و معه من الصحابة كثير حتى انتهى إلى عسكرهم فرأى عدة حسنة، فلم يرض كثرتها للروم، فقال لأصحابه: ما ذا ترون فى هؤلاء؟ أ ترون أن نشخصهم إلى الشام فى هذه العدة؟ فقال له عمر: ما أرضى بهذه العدة لجموع بنى الأصفر، فأقبل على أصحابه فقال: ما ذا ترون؟ فقالوا: و نحن أيضا، نرى ما رأى عمر، فقال أبو بكر: أ فلا نكتب كتابا إلى أهل اليمن ندعوهم إلى الجهاد و نرغبهم فى ثوابه؟ فرأى ذلك جميع أصحابه، فقالوا: نعم ما رأيت، فافعل.
فكتب: بسم الله الرحمن الرحيم، من خليفة رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، إلى من قرئ عليه كتابى هذا من المؤمنين و المسلمين من أهل اليمن، سلام عليكم، فإنى أحمد إليكم الله الذي لا إله إلا هو، أما بعد. فإن الله تبارك و تعالى، كتب على المسلمين الجهاد، و أمرهم أن ينفروا فيه خفافا و ثقالا، فقال جل ثناؤه: وَ جاهِدُوا بِأَمْوالِكُمْ وَ أَنْفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ [الصف: ٩]، فالجهاد فريضة مفروضة، و ثوابه عند الله عظيم، و قد استنفرنا من قبلنا من المسلمين إلى جهاد الروم بالشام، و قد سارعوا إلى ذلك، و عسكروا و خرجوا، و حسنت نيتهم و عظمت حسبتهم، فسارعوا عباد الله إلى فريضة ربكم و سنة نبيكم، و إلى إحدى الحسنيين: إما الشهادة و إما الفتح و الغنيمة، إن الله جل ذكره، لم يرض من عباده بالقول دون العمل، و لا بترك الجهاد فيه أهل عداوته حتى يدينوا بالحق و يقروا بحكم الكتاب، حفظ الله لكم دينكم و هدى قلوبكم، و زكى أعمالكم، و رزقكم أجر المجاهدين الصابرين، و السلام عليكم.
[١] انظر: المنتظم لابن الجوزى (٤/ ١١٦)، تاريخ الطبرى (٣/ ٣٨٧، ٣٨٨).