الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٦٩ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
من المهاجرين و الأنصار: صدق عثمان، ما رأيت من الرأى فامضه، فإنا سامعون لك، مطيعون، لا نخالف أمرك، و لا نتهم رأيك، و لا نتخلف عن دعوتك و إجابتك.
فذكروا هذا و أشباهه، و على رضى الله عنه، فى القوم لا يتكلم، فقال له أبو بكر رضى الله عنهما: ما ذا ترى يا أبا الحسن؟ فقال: أرى أنك مبارك الأمر، ميمون النقيبة، و إنك إن سرت إليهم بنفسك أو بعثت إليهم نصرت إن شاء الله تعالى. قال: بشرك الله بخير، و من أين علمت هذا؟.
قال: سمعت رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم)، يقول: «لا يزال هذا الدين ظاهرا على كل من ناوأه حتى تقوم الساعة و أهله ظاهرون» [١].
فقال أبو بكر: سبحانه الله! ما أحسن هذا الحديث، لقد سررتنى به، سرك الله فى الدنيا و الآخرة.
ثم إنه قام فى الناس فذكر الله بما هو أهله، و صلى على نبيه (صلى اللّه عليه و سلم) ثم قال: أيها الناس، إن الله تعالى، قد أنعم عليكم بالإسلام، و أعزكم بالجهاد، و فضلكم بهذا الدين على أهل كل دين، فتجهزوا عباد الله إلى غزو الروم بالشام، فإنى مؤمر عليكم أمراء، و عاقد لهم عليكم، فأطيعوا ربكم، و لا تخالفوا أمراءكم، و لتحسن نيتكم و سريرتكم و طعمتكم، فإن الله مع الذين اتقوا و الذين هم محسنون.
فسكت القوم، فو الله ما أجابه أحد هيبة لغزو الروم، لما يعلمون من كثرة عددهم و شدة شوكتهم، فقام عمر (رحمه الله)، فقال: يا معشر المسلمين، ما لكم لا تجيبون خليفة رسول الله إذا دعاكم لما يحييكم؟ أما لو كان عرضا قريبا و سفرا قاصدا لابتدرتموه! فقام إليه عمرو بن سعيد فقال: يا ابن الخطاب، أ لنا تضرب أمثال المنافقين؟ فما يمنعك مما عتبت علينا فيه؟. فقال: الاتكال، على أنه يعلم أنى أجيبه لو يدعونى، و أغزو لو يغزينى.
فقال عمرو: و لكن نحن لا نغزو لكم إن غزونا، فإنما نغزو لله، فقال أبو بكر لعمرو:
اجلس رحمك الله، فإن عمر لم يرد بما سمعت أذى مسلم و لا تأنيبه، إنما أراد أن يبعث بما سمعت المتثاقلين إلى الأرض عن الجهاد، فقام خالد بن سعيد [٢] فقال: صدق خليفة
[١] انظر الحديث فى: مسند الإمام أحمد (٥/ ٨٧)، المستدرك للحاكم (٤/ ٤٤٩)، كنز العمال للمتقى الهندى (١٤١٧٢، ٣٤٥٥٨)، الدر المنثور للسيوطى (٣/ ١٨).
[٢] انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٦١٧)، الإصابة الترجمة رقم (٢١٧٢)، أسد الغابة الترجمة رقم (١٣٦٥)، نسب قريش (١٧٤)، طبقات ابن خليفة (١١/ ٢٩٨)، مشاهير علماء الأمصار الترجمة رقم (١٧٢)، تاريخ الإسلام (١/ ٣٧٨)، العقد الثمين (٤/ ٢٦٧).