الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٦٨ - ذكر بدء الغزو إلى الشام و ما وقع فى نفس أبى بكر الصديق رضى الله عنه، من ذلك و ما قوى عزمه عليه
يجهز الجنود إلى الشام دعا عمر و عثمان و عليا و عبد الرحمن بن عوف و طلحة و الزبير و سعد بن أبى وقاص و أبا عبيدة بن الجراح، و وجوه المهاجرين و الأنصار من أهل بدر و غيرهم، فدخلوا عليه و أنا فيهم، فقال: إن الله تبارك و تعالى، لا تحصى نعمه، و لا تبلغ جزاءها، الأعمال، فله الحمد كثيرا على ما اصطنع عندكم، قد جمع كلمتكم، و أصلح ذات بينكم، و هداكم إلى الإسلام، و نفى عنكم الشيطان، فليس يطمع أن تشركوا بالله و لا أن تتخذوا إلها غيره، فالعرب اليوم بنو أم و أب، و قد رأيت أن أستنفرهم إلى الروم بالشام، فمن هلك منهم هلك شهيدا، و ما عند الله خير للأبرار، و من عاش منهم عاش مدافعا عن الدين، مستوجبا على الله ثواب المجاهدين، هذا رأيى الذي رأيت، فليشر على كل امرئ بمبلغ رأيه [١].
فقام عمر رضى الله عنه، فقال: الحمد لله الذي يخص بالخير من يشاء من خلقه، و الله ما استبقنا إلى شيء من الخير إلا سبقتنا إليه، و ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، قد و الله أردت لقاءك بهذا الرأى الذي ذكرت غير مرة، فما قضى الله أن يكون ذلك حتى ذكرته الآن، فقد أصبت، أصاب الله بك سبيل الرشاد، سرب إليهم الخيل فى أثر الخيل، و ابعث الرجال بعد الرجال، و الجنود يتبعها الجنود، فإن الله تعالى ناصر دينه، و معز الإسلام و أهله، و منجز ما وعده رسوله.
ثم إن عبد الرحمن بن عوف رضى الله عنه قام، فقال: يا خليفة رسول الله، إنما الروم بنو الأصفر حد حديد، و ركن شديد، و الله ما أرى أن تقحم الخيل عليهم إقحاما، و لكن تبعث الخيل فتغير فى أدنى أرضهم، و ترجع إليك، فإذا فعلوا ذلك مرارا أضروا بهم، و غنموا من أدانى أرضهم، فقووا بذلك على قتالهم، ثم تبعث إلى أقاصى أهل اليمن، و أقاصى ربيعة و مضر، فتجمعهم إليك جميعا، فإن شئت عند ذلك غزوتهم بنفسك، و إن شئت أغزيتهم غيرك.
ثم جلس و سكت، و سكت الناس، فقال لهم أبو بكر: ما ذا ترون رحمكم الله؟ فقام عثمان بن عفان رضى الله عنه، فحمد الله و أثنى عليه، و صلى على رسوله، ثم قال:
نرى أنك ناصح لأهل هذا الدين، شفيق عليهم، فإذا رأيت رأيا تراه لعامتهم رشدا و صلاحا فاعزم على إمضائه، فإنك غير ضنين عليهم و لا متهم.
فقال طلحة و الزبير و سعد و أبو عبيدة و سعيد بن زيد و جميع من حضر ذلك المجلس
[١] انظر: تاريخ فتوح الشام للأزدى ص (١ و ما بعدها).