الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٤ - كتاب رسول الله
المقوقس عظيم القبط، سلام على من اتبع الهدى، أما بعد، فإنى أدعوك بداعية الإسلام، أسلم تسلم، و أسلم يؤتك الله أجرك مرتين، فإن توليت فإن عليك إثم القبط قُلْ يا أَهْلَ الْكِتابِ تَعالَوْا إِلى كَلِمَةٍ سَواءٍ بَيْنَنا وَ بَيْنَكُمْ أَلَّا نَعْبُدَ إِلَّا اللَّهَ وَ لا نُشْرِكَ بِهِ شَيْئاً وَ لا يَتَّخِذَ بَعْضُنا بَعْضاً أَرْباباً مِنْ دُونِ اللَّهِ فَإِنْ تَوَلَّوْا فَقُولُوا اشْهَدُوا بِأَنَّا مُسْلِمُونَ [آل عمران: ٦٤]». و ختم الكتاب [١].
فخرج به حاطب حتى قدم عليه الإسكندرية، فانتهى إلى حاجبه، فلم يلبثه أن أوصل إليه كتاب رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم).
و قال حاطب للمقوقس لما لقيه: «إنه قد كان قبلك رجل يزعم أنه الرب الأعلى، فأخذه الله نكال الآخرة و الأولى، فانتقم به، ثم انتقم منه، فاعتبر بغيرك، و لا يعتبر بك».
قال: هات. قال: «إن لك دينا لن تدعه إلا لما هو خير منه، و هو الإسلام الكافى به الله، فقد ما سواه، إن هذا النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) دعا الناس، فكان أشدهم عليه قريش، و أعداهم له يهود، و أقربهم منه النصارى، و لعمرى ما بشارة موسى بعيسى إلا كبشارة عيسى بمحمد (صلى اللّه عليه و سلم) و ما دعاؤنا إياك إلى القرآن إلا كدعائك أهل التوراة إلى الإنجيل، و كل نبى أدرك قوما، فهم من أمته، فالحق عليهم أن يطيعوه، فأنت ممن أدركه هذا النبيّ، و لسنا ننهاك عن دين المسيح، و لكنا نأمرك به». فقال المقوقس: «إنى قد نظرت فى أمر هذا النبيّ، فوجدته لا يأمر بمزهود فيه، و لا ينهى إلا عن مرغوب عنه، و لم أجده بالساحر الضال، و لا الكاهن الكاذب، و وجدت معه آلة النبوة بإخراج الخبء و الإخبار بالنجوى، و سأنظر.
و أخذ كتاب النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) فجعله فى حق من عاج و ختم عليه، و دفعه إلى جارية له، ثم دعا كاتبا له يكتب بالعربية، فكتب إلى النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم): «بسم الله الرحمن الرحيم. لمحمد بن عبد الله من المقوقس عظيم القبط، سلام عليك. أما بعد، فقد قرأت كتابك، و فهمت ما ذكرت فيه، و ما تدعو إليه. و قد علمت أن نبيا قد بقى، و كنت أظن أنه يخرج بالشام، و قد أكرمت رسولك، و بعثت إليك بجاريتين لهما مكان فى القبط عظيم، و بكسوة، و أهديت لك بغلة لتركبها. و السلام عليك». و لم يزد على هذا، و لم يسلم. و هاتان الجاريتان اللتان ذكرهما، إحداهما مارية أم إبراهيم ابن النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) و أختها سيرين، و هى التي وهبها النبيّ (صلى اللّه عليه و سلم) لحسان بن ثابت فولدت له ابنه عبد الرحمن، و البغلة هى دلدل، و كانت بيضاء. و قيل: إنه لم يكن فى العرب يومئذ غيرها، و إنها بقيت إلى زمان معاوية.
[١] انظر: التخريج السابق.