الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١٢٦ - ذكر تقديم خالد بن الوليد الطلائع أمامه من البطاح
و كأنى أنظر إلى أبى دجانة [١] يومئذ ما يولى ظهره منهزما، و ما هو إلا فى نحور القوم، حتى قتل (رحمه الله)، و كان يختال فى مشيته عند الحرب سجية، ما يستطيع غير ذلك.
قال: و كرت عليه طائفة من بنى حنيفة، فما زال يضرب بالسيف أمامه و عن يمينه و عن شماله، فحمل على رجل فصرعه، و ما ينبس بكلمة، حتى انفرجوا عنه و نكصوا على أعقابهم، و المسلمون مولون، و قد ابيض ما بينهم و بينه، فما ترى إلا المهاجرين و الأنصار، لا و الله ما أرى أحدا يخالطهم، فقاموا ناحية، و تلاحق الناس، فدفعوا حنيفة دفعة واحدة، فانتهينا بهم إلى الحديقة، فأقحمناهم إياها.
قال أبو دجانة: ألقونى على الترسة حتى أشغلهم، فكانوا قد أغلقوا الحديقة، فأخذوه فألقوه على الترسة، حتى وقع فى الحديقة، و هو يقول: لا ينجيكم منا الفرار، فضاربهم حتى فتحها، و دخلنا عليه مقتولا (رحمه الله).
و قد روى أن البراء بن مالك هو المرمى به فى الحديقة، و الأول أثبت.
و قال ثابت بن قيس، يومئذ: يا معشر الأنصار، الله الله و دينكم، علمنا هؤلاء أمرا ما كنا نحسنه، ثم أقبل على المسلمين، فقال: أف لكم و لم تعملون، ثم قال: خلوا بيننا و بينهم، أخلصونا، فأخلصت الأنصار، فلم يكن لهم ناهية حتى انتهوا إلى محكم بن الطفيل، فقتلوه، ثم انتهوا إلى الحديقة فدخلوها، فقاتلوا أشد القتال، حتى اختلطوا فيها، فما يعرف بعضهم بعضا إلا بالشعار، و شعارهم: أمت أمت، ثم صاح ثابت صيحة يستجلب بها المسلمين: يا أصحاب سورة البقرة، يقول رجل من طيئ: و الله ما معى منها آية، و إنما يريد ثابت: يا أهل القرآن.
و قال واقد بن عمرو بن سعد بن معاذ: لما زحف المسلمون، انكشفوا أقبح الانكشاف، حتى ظن ظانهم أن لا تكون لهم فئة فى ذلك اليوم، و الناس أوزاع قد هدأ حسهم. و أشرت حنيفة و أظهروا البغى، و أوفى عباد بن بشر على نشز من الأرض، ثم صاح بأعلى صوته: أنا عباد بن بشر، يا للأنصار، يا للأنصار، ألا إلى، ألا إلى، فأقبلوا إليه جميعا، و أجابوه: لبيك لبيك، حتى توافوا عنده، فقال: فداكم أبى و أمى، حطموا جفون السيوف، ثم حطم جفن سيفه، فألقاه، و حطمت الأنصار جفون سيوفهم، ثم قال: حملة صادقة، اتبعونى، فخرج أمامهم حتى ساقوا حنيفة منهزمين، حتى انتهوا بهم
[١] اسمه: سماك بن خرشة، انظر ترجمته فى: الاستيعاب الترجمة رقم (٢٩٦٨)، الإصابة الترجمة رقم (٩٨٦٦)، معجم رجال الحديث (٢١/ ١٥١)، تنقيح المقال (٣/ ١٥).