الاكتفاء بما تضمنه من مغازي رسول الله(ص) و الثلاثة الخلفاء - أبو الربيع الحميري الكلاعي - الصفحة ١١٥ - قصة مسيلمة الكذاب وردة أهل اليمامة
إلى مسيلمة كيف رفق به حتى أراد أن يقدم لو لا أن الرجال نهاه، فقال رسول الله (صلى اللّه عليه و سلم):
يقتله الله، و يقتل الرجال معه، ففعل الله ذلك بهما، و أنجز وعده فيهما.
و استضاف مسيلمة إلى ضلاله فى دين الله و تكذبه على الله ضلالة سجاح، و كانت امرأة من بنى تميم، أجمع قومها أنها نبية، فادعت الوحى، و اتخذت مؤذنا و حاجبا و منبرا، فكانت العشيرة إذا اجتمعت تقول: الملك فى أقربنا من سجاح، و فيها يقول عطارد بن حاجب بن زرارة:
أضحت نبيتنا أنثى نطيف بها* * * و أصبحت أنبياء الناس ذكرانا
ثم إن سجاح رحلت تريد حرب مسيلمة، و أخرجت معها من قومها من تابعها على قولها و هم يرون أن سجاح أولى بالنبوة من مسيلمة، فلما قدمت عليه خلا بها، و قال لها: تعالى نتدارس النبوة، أينا أحق؟ فقالت سجاح: قد أنصفت، و فى الخبر بعد هذا من قوله ما يحق الإعراض عن ذكره.
و قد قيل إن سجاح إنما توجهت إلى مسيلمة مستجيرة به لما وطئ خالد العرب و رأت أنه لا أحد أعز لها منه، و قد كانت أمرت مؤذنها شبت بن ربعى أن يؤذن بنبوة مسيلمة، فكان يفعل، فلما قدمت على مسيلمة قالت: اخترتك على من سواك و نوهت باسمك، حتى إن مؤذنى ليؤذن بنبوتك، فخلا بها ليتدارسا النبوة.
و لما قتل مسيلمة، أخذ خالد بن الوليد سجاح، فأسلمت و رجعت إلى ما كانت عليه، و لحقت بقومها.
و عظمت فتنة بنى حنيفة بكذابهم هذا حتى كان يدعو لمريضهم و يبرك على مولودهم، و لا ينهاهم عن اغترارهم به ما يشاهدون من قلة غنائه عنهم. جاءه قوم بمولود، فمسح رأسه فقرع و قرع كل مولود له، و جاءه آخر، فقال: يا أبا ثمامة، إنى ذو مال، و ليس لى مولود يبلغ سنتين حتى يموت غير هذا المولود، و هو ابن عشر سنين، و لى مولود ولد أمس، فأحب أن تبارك فيه و تدعو أن يطيل الله عمره، فقال: سأطلب لك الذي طلبت، فجعل عمر المولود أربعين سنة، فرجع الرجل إلى منزله مسرورا، فوجد الأكبر قد تردى فى بئر، و وجد الصغير ينزع فى الموت، فلم يمس من ذلك اليوم حتى ماتا جميعا، تقول أمهما: فلا و الله ما لأبى ثمامة عند إلهه مثل منزلة محمد (صلى اللّه عليه و سلم).
قالوا: و حفرت بنو حنيفة بئرا، فأعذبوها نتاحا، فجاءوا إلى مسيلمة، فطلبوا إليه أن يأتيها، و أن يبارك فيها، فأتاها، فبصق فيها، فعادت أجاجا.