محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٩٧ - فضل المذاكرة في العلوم
الحثّ على التصامم عن الخنا و التمدّح به.
قال محمود الورّاق:
و سمعك صن عن سماع القبيح # كصون اللسان عن النّطق به
و قال أبو تمّام:
أذن صفوح ليس يفتح سمّها # لدنيئة و أنامل لم تقفل [١]
و قال آخر:
فتى عزلت عنه الفواحش كلّها
و قال آخر:
عيّ عن الفحشاء أما لسانه # فعفّ و أما طرفه فكليل [٢]
و قال الموسوي:
إذا العدوّ عصاني خاف حديدي # و عرضه آمن من هاجرات فمي [٣]
و له أيضا:
و لا أعرف الفحشاء إلا بوصفها # و لا أنطق العوراء و القلب يعرب
(٨) و مما جاء في المذاكرة و المجادلة
فضل المذاكرة في العلوم
قال اللّه تعالى: وَ ذَكِّرْ فَإِنَّ اَلذِّكْرىََ تَنْفَعُ اَلْمُؤْمِنِينَ [٤] و قال النبيّ: لقّحوا عقولكم بالمذاكرة و استعينوا على أموركم بالمشاورة.
و قال ابن المقفع: لا تخل قلبك من المذاكرة فيعود عقيما و لا تعف طبعك من المناظرة فيعود سقيما.
و قال الحسن رضي اللّه عنه: حادثوا هذه القلوب فإنّها سريعة الدّثور [٥] ، و قال المأمون: لا تتقد مصابيح الأذهان، إلا بصفو مواردها. و قيل: من أكثر مذاكرة العلماء، لم ينس ما علم و استفاد ما لم يعلم.
[١] يمتدح في هذا البيت الترفع عن الصغائر و الدنايا من ناحية، كما يمتدح الجود و العطاء مكنيا عن ذلك بالأنامل التي لا تقفل.
[٢] عفّ: أي عفيف-الطرف الكليل: الذي لا ينظر إلى المحرّمات.
[٣] حديدي (هنا) : كناية عن السيف و السلاح-الهاجرات: الأهاجي اللاذعة.
[٤] القرآن الكريم: الأعلى/٩.
[٥] الدثور: مصدر دثر دثورا (الرسم) : بلي و امّحى فهو داثر.