محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٥٧ - عذر من استعان بخائن سهوا
حقيقة النّفاق
قيل: حقيقة النفاق أخلاف السرّ و العلانية و اختلاف القول و العمل، و قال صلّى اللّه عليه و سلم:
علامة المنافق ثلاث: إذا حدّث كذب، و إذا وعد أخلف و إذا ائتمن خان.
ذمّ ذي الوجهين [١]
قال الأحنف: إنّ ذا الوجهين خليق أن لا يكون عند اللّه وجيها. قال صالح بن عبد القدوس [٢] :
قل للّذي لست أدري من تلوّنه # أناصح أم على غشّ يداجيني
إنّي لأكثر ممّا سمتني عجبا # يد تشجّ و أخرى منك تأسوني [٣]
تذمّني عند أقوام و تمدحني # في آخرين و كلّ منك يأتيني
النهي عن الاستعانة بخائن
قيل: من استرعى الذئب ظلم. قال شاعر:
إن العفيف إذا استعان بخائن # كان العفيف شريكه في المأثم [٤]
قال آخر:
إذا أنت حمّلت الخئون أمانة # فإنّك قد أسندتها شرّ مسند
و قال آخر:
إن العفيف إذا تكنّفه الظنين هو الظنين
و قال علي رضي اللّه عنه: من تتّهمه فلا تأتمنه و من تأتمنه فلا تتّهمه.
عذر من استعان بخائن سهوا
قال أبو تمّام:
هذا النبي و كان صفوة ربّه # من بين باد في الأنام وقار [٥]
قد خصّ من أهل النّفاق عصابة # و هم أشدّ أذى من الكفّار [٦]
[١] ذو الوجهين: المخادع المرائي و المتلوّن المنافق.
[٢] صالح بن عبد القدوس: شاعر بغدادي عرف بالزندقة و يقول بإلهين هما إله الخير و إله الشرّ و قيل إن الخليفة المهديّ صلبه. و من أشهر شعره القصيدة الزّينبيّة.
[٣] سمتني: كلفتني إيّاه.
[٤] يقول إن العفيف الذي يستعين بخائن يصبح شريكه في الخيانة.
[٥] الصفوة: النخبة المختارة-الأنام: الناس-البادي: ساكن البادية-القار: الذي قرّ أي ثبت بالمكان و لم يرتحل، و المراد أهل الحضر.
[٦] يقول لا عجب أن ممدوحه خدع بمكر الأفشين إلى أن تكشّف سريرته، فالنبي محمد صلّى اللّه عليه و سلم أولى ثقته عصابة أضمرت النفاق و انتحلت الإسلام مكرا.