محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٢٦ - عذر من تواضع لدنيء مهابة
من ترك حقّه إشفاقا من وصمة [١] تلحقه
اختصم الأصبهبد صاحب طبرستان و المصمعان صاحب دباوند في شيء، فكتب إلى الحجّاج أن يوجه رجلا يحكم بينهما، فوجه أياسا إليهما، فلما صار بالمنصف بعث إليهما فحضر الأصبهبد على سريره و ألقى للمصمعان وسادة فقال أياس للأصبهبد: أنت ظالم و قد عرفت ذلك منك. قال فيم؟قال: العدل أن تساويه في الحكم فقال: إذا أدع حقى و لا أساويه في المجلس فترك حقه و عاد إلى مكانه. و قال الرشيد يوما لجلسائه: إن عمارة قد ذهب في التيه كلّ مذهب و أحب أن أضع منه، فقيل له لا شيء أوضع للرجال من منازعة الرجال و الرأي أن يؤمر رجل ليدعي أفضل ضيعة له أنه غصبه إياها، ففعل ذلك، فلما دخل عمارة قام الرجل فتظلم منه و شنّع عليه، فقال الرشيد: أ ما تسمع ما يقول الرجل؟فقال من يعني؟فقال الرشيد: يعنيك أنك غصبته كذا فقم و اجلس معه مجلس الحكم. فقال: إن كانت هذه الضيعة له فلست أنازعه فيها و إن كانت لي فقد جعلتها له. فانقطع كلام الرجل فلما انصرف قال عمارة لرجل كان معه: من هذا المدّعي فإذا أنه لم يملأ عينه منه فأخبر الرشيد بذلك. فقال: سوّغنا [٢] تيهه له بعد ذلك.
النهي عن الإفراط في التّواضع
قال ابن المقفع: الإفراط في التواضع يوجب المذلّة، و الإفراط [٣] في المؤانسة يوجب المهانة. و قيل: من التواضع ما يضع.
عذر من تواضع لدنيء مهابة
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: إنّ من شرار الناس من أكرمه الناس اتقاء شرّه كان أبو العباس ضم المنصور إلى حميد بن قحطبة فقال له يزيد بن حاتم: أ ترضى بمتابعة حميد؟فقال:
اسجد لقرد السّوء في زمانه # و داره ما دام في سلطانه [٤]
و في المثل الحمى أضرعتني [٥] لك.
[١] الوصمة: اللطخة و العار.
[٢] سوّغ الشيء: جوّزه.
[٣] الإفراط: الإكثار، المبالغة.
[٤] يقول: دار رجل السوء ما دام حاكما سلطانا.
[٥] أضرعتني: أذلّتني.