محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٩٥ - معاتبة القدر في ذلك
و قال أبو حاتم:
أظنّ الدهر قد آلى فبرّا # بأن لا يكسب الأموال حرّا [١]
لقد قعد الزمان بكلّ حرّ # و نقص من قواه ما استمرّا
و قال أبو تمّام:
لقد ساسنا هذا الزمان سياسة # سدى لم يسسها قطّ عبد مجدّع [٢]
حلّت نطف منها النكس و ذو الحجى # يداف له سم من العيش منقع [٣]
فإن نك أهملنا فأضعف بسعينا # و إن نك أجبرنا ففيم نتعتع [٤]
و ما أحسن ما قال:
ليس المقلّ على الزمان براض # و من السخف قول التماري [٥]
و قيل:
أرى فقحة الدنيا على معشر تخرى # فإن أقبلت نحوي رأيت بها خضرا
و من الجيد في هذا قول عابدة المهلبيّة و يروى للمهلبي:
أ لست ترى استراق الدهر حظّي # و كيف يفيت في أدب الخمول
أ أبغي العون منه و هو خصمي # كما استبكت ضرائرها الثّكول [٦]
و قال رجل لمنجم: أنظر في نجمي هل ترى لي غنى؟فقال: دع عنك هذا فإن الدهر مشغول بالسفل فلا يتفرغ إلى أحد. و قيل: الدهر لا يعطي أحدا ما يستحقه إما أن يزيده أو ينقصه.
معاتبة القدر في ذلك
قال أبو العيناء لرجل سأله: ما بال الركيك الأحمق يرزق و الأديب يحرم؟فقال: لأن هذا الدنيا دار اختبار و أحب الرازق أن يعلمهم أن الأمور ليست لهم، فإن غلات السواد تباع بكف أنموذج فهلا اكتفى في ذلك بنقرة.
و قال جحظة:
يا ربّ إن الشكوك قد علقت # أوكارنا و الشّكوك تعترض
و غد له نعمة مؤثّلة # و سيّد لا يزال يعترض
[١] آلى فبرا: أقسم فوفى بقسمه.
[٢] عبد مجدع: عبد مقطوع الأذن أو الشفة.
[٣] ذو الحجى: ذو العقل-يداف: يخلط له السم مع الماء.
[٤] نتعتع: نتلجلج في الكلام.
[٥] التماري: التعادي و البغض.
[٦] الثكول: الفاقدة ابنها.