محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٧٥٦ - غليان القدر
و قال آخر:
نصبنا له جوفاء ذات ضبابة # من الدهم مبطانا طويلا ركودها [١]
و لما قال مضرس:
و قدر كحيزوم النّعامة أحمشت # بأجذال خشم زال عنها هشيمها [٢]
سمع ذلك زياد الأعجم، فقال: و ما حيزوم النعامة لعن اللّه هذه من قدر، فما أحسبها تشبع آل مضرس، فقيل له: فكيف تقول أنت؟قال أقول:
و قدر كجوف الليل أحمشت غليها # ترى الفيل فيها طافيا لم يفصل
لو أن بني حواء حول رمادها # لما كان منهم واحد غير مصطل
غليان القدر
قال الفرزدق:
كأن المجال الغرّ في حجراتها # عذارى بذت لمّا أصيب حميمها [٣]
و قال دعبل:
و باتت قدرنا طربا تغنّي # علانية بأعضاء الجزور [٤]
و قال الكميت:
كأن هرير الغلي في جنباتها # تغيّظ غيرن عند بعض الضرائر [٥]
و قال الشاعر:
و قدور على اليفاع ينادي # الضيف منها تغيّظ الغليان [٦]
و قد زاد هذا الشاعر حيث زعم أن غليان قدره يدعو أضيافه، و إن كان فيه غلو معن بن زائدة في وصفه:
إذا اختلفت أوصالها فكأنّما # يزعزعها من شدّة القلي أفكل [٧]
و قال آخر:
كأن صياح الغلي في سجراتها # بغايا عليهنّ الحلي يقعقع [٨]
[١] ذات ضبابة: حديدة عريضة يضب بها الباب أو غيره.
[٢] حيزوم النعامة: صدرها-أجذال خشم: ما بقي من الخيشوم-الهشيم: اليابس المتكسّر.
[٣] المجال: محل الجولان-حجراتها: نواحيها-بذت: ساءت حالتها.
[٤] الجزور: ما يجزر من النّوق.
[٥] هرير: صوت-تغيظ: تغضب-الضرائر: جمع ضرّة و هي امرأة الزوج.
[٦] اليفاع: التلّ المشرف.
[٧] الأفكل: الجماعة-يقال: جاء القوم بأفكلهم أي بأجمعهم.
[٨] سجراتها: سجر التنور أوقده و أحماه-يقعقع: صوّت.