محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٨٦ - ما حدّ به العيّ و ذمّه
و هذا إنما هو لمن جاوز المقدار أو قصّر عنه و كفاك ما قال النبي صلى اللّه عليه و سلم إن اللّه يبغض البليغ يتخلّل بلسانه تخلل البقرة بلسانها.
و أنشد العجّاج:
أمسى الغواني معرضات صددا
و أعرابي حاضر فقال: تنحّ عن سننه، و إلا تسقط منه كلمة فتشدخك [١] ، و ما أجود ما قال ابن أبي طاهر:
إن خير الكلام ما ليس فيه # عند من يفهم الكلام كلام
ذمّ عييّ متقعّر
قيل: أعيا العيّ بلاغة بعي. و قال محمد بن وهيب:
تشبهت بالأعراب أهل التعجرف # فدلّ على مثواك قبح التكلّف
لسان عرابيّ إذا ما صرفته # إلى لغة الإعراب لم يتصرّف
و قال أبو الأسود لابن صديق له: ما فعلت امرأة فلان التي كانت تساره و تضاره و تماره [٢] فقال: طلقها فتزوج بها فلان فخطيت و بظيت فقال أبو الأسود: ما معنى بظيت فقال: كلام لم تدر من أي بيض خرج و في أي عش درج فقال: إن ما لا أعرفه فاخبأه كما تخبأ الهرة خرأها.
من ارتكب أمرا طلبا للسجع
خرج عبادة إلى عبادان فقيل: ما الذي جاء بك؟فقال: لا جمع بين عبادة و عبادان.
و كان علي بن رستم خرج إلى بغداد و أسلم فكتب إلى أهله: كتابي إليكم من مدينة السلام عن سلامة و إسلام فقال: أخوه ما خرج أخي و أسلم إلا طلب أن يكتب هذه المسجعة [٣] .
ما حدّ به العيّ و ذمّه
قال أكثم العي أن تتكلم بفوق ما تقتضيه حاجتك، و قيل: العي معنى قليل يحويه لفظ كثير، و قيل: العي داء دواؤه الخرس، و قيل: لاعي [٤] و لا شلل، و تكلم رجل عند معاوية و كان ذا عيّ فقال عمر: و سكوت الألكن [٥] نعمة فقال معاوية: و كلام الأحمق نقمة، و قال النمر بن تولب [٦] :
أعذني ربّ من حصر و عيّ # و من نفس أعالجها علاجا
[١] تشدخ: تجرح.
[٢] تماره: يريد تماريه أي تجادله.
[٣] المسجّعة: العبارة التي يراعى فيها نمط السجع، و السجع من أبواب البديع و هو وسط بين الشعر و النثر.
[٤] العيّ: نقيض البيان و الإفصاح، فالعيّ هو العجز عن الإفصاح و البيان.
[٥] الألكن: الذي في لسانه لكنة أي عجمة.
[٦] النمر بن تولب: شاعر جاهلي أدرك الإسلام و شعره جيّد، و هو من بني عكل (انظر الشعر و الشعراء لابن قتيبة) .