محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٥٦ - حثّ الكاذب على التحفّظ
النّهي عن رواية الكذب
قيل: من حدّث بحديث، و هو يرى أنه كذب، فهو أحد الكاذبين، و قيل أحد الشاتمين.
و قال النبي صلى اللّه عليه و سلم: من قال عليّ ما لم أقله أو ردّ شيئا ممّا قلته فليتبوّأ مقعده [١] من النار.
و قيل: إيّاك أن تكون للكذب راويا، أو واعيا.
النهي عن رواية ما هو بعرض التكذيب
قيل: من صفات العاقل أن يحدّث بما لا يستطاع تكذيبه.
و قيل: إياك و حكاية ما يستبعد فيجد عدوّك سبيلا إلى تكذيبك.
ترك الكذب صعب
قيل من استحلى الكذب عسر عليه [٢] فطام نفسه عنه.
و قيل لرجل: أترك الكذب، فقال: و اللّه لو تغرغرت [٣] به و تطعمت حلاوته لما صبرت عنه.
و قال يحيى بن خالد: قد رأينا شارب خمر أقلع [٤] ، و لصّا نزع [٥] ، و لم نر كذّابا رجع. و قيل: كل ذنب يرجى تركه إما بتوبة أو إنابة [٦] ما، خلا الكذب، فإنّ صاحبه يزداد به ولوعا على الكبر.
مضرّة الكذب
قيل: دع الكذب فإنّه يضرّك حيث ترى أنه ينفعك، و عليك بالصّدق فإنه ينفعك حيث ترى أنه يضرّك.
و قيل: الحق أبلج و الباطل لجلج، إذا كذب السفير بطل التدبير، إذا كذب الرائد هلك الوارد. الصّدق عزّ و الباطل ذلّ.
من آثر الصدق في مواضع طلبا لجواز كذبه
قال خالد بن صفوان: أصدق في صغار ما يضرّك ليجوز لك الكذب في كبار ما ينفعك. و قيل: من عرف بالصّدق جاز كذبه، و من عرف بالكذب لم يجز صدقه.
حثّ الكاذب على التحفّظ
قيل: إذا كنت كذوبا، فكن ذكورا. و ذكر عثمان البستي عكرمة، فقيل له: ما كان
[١] يتبوأ المقعد: يجلس فيه.
[٢] عسر عليه: صعب.
[٣] تغرغر: ردّد الماء أو الدواء في حلقه.
[٤] أقلع أو نزع عن الشيء: تركه.
[٥] أقلع أو نزع عن الشيء: تركه.
[٦] الإنابة: التوبة، و الرجوع إلى اللّه مع الندامة.