محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٨٦ - معتذر مع إنكار
و لعمري لقد أجلّك من جا # ء مقّرا بذلّة الاعتراف
قال الرفّاء:
فإن تعف عنّي تعف عن غير جاحد # لما كان و الإقرار بالذنب أروح
و قال آخر:
صفحا فلو شقّ قلبي عن صفيحته # لظلّ يقرأ منه الخوف و الندم
و قال آخر:
فلست بأوّل عبد هفا # و لست بأوّل مولى عفا [١]
استعفاء من خلط إقرارا بإنكار
ما أعرف تقصيرا فابلغ و لا ذنبا فاعتب و لكني أقول:
هبني أسأت كما زعمـ # ت فأين عاقبة الأخوّه
و إذا أسأت كما أسأ # ت فأين فضلك و المروّة [٢]
قال ابن نوقة:
و هبني-و ما أجرمت-أجرمت. كلّ ما # أتاك به الواشي فجد باحتماله
و قال ابن باذان:
لئن أسأت فأين إحسانك # و إن أفرطت فأين افضالك؟
و قال آخر:
أقررت بالجرم على أنّني # لست بمخليك من العربده
و قال الشعبي لابن بسرة، و قد كلمه في قوم حبسهم: إن حبستهم بالباطل فالحقّ يخرجهم و إن حبستهم بحق، فالعفو يسعهم. فأمر بإطلاقهم.
معتذر مع إنكار
قال رجل لمعن: ما على المذنب أكثر من الرجوع فهل على من لم يذنب أكثر من الاعتذار.
قال و لما حبس الرشيد عبد الملك بن صالح قال: إنّ الملك شيء ما نويته و لا تمنّيته و لو أردته لكان أسرع من السيل إلى الحدور و النار إلى يبس العرفج [٣] و لكن لما رآني بالملك قمينا [٤] و إن لم أترشح له في سرّ و لا جهر و رآه يحنّ إلى حنين الأم الوالهة
[١] هفا: ارتكب هفوة، أخطأ.
[٢] يدعو الشاعر إلى تجاوز إساءة المسيء بباعث الفضل و المروءة.
[٣] العرفج: نبات سهليّ.
[٤] قمينا: جديرا، و القمين السريع، و أتون الحمام، جمع قمناء و قمينون، و المؤنث قمينة جمع قمائن و قمينات، من تقمّن الشيء إذا أشرف على أن يأخذه. يقال موطن قمن أي جدير أن تسكنه.