محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٣٧ - التحذير من مقاربة السلطان
فلما انتهى إلى قوله:
و صارت الشمس كعين الأحول
قال هشام: أبي تعرّض يا ابن اللخناء [١] ، اخرجوه بعينيك و طرده. و أنشد البحتري محمد بن يوسف: لك الويل من ليل تطاول آخره، فقال: بل الويل و الحرب لك.
و استنشد أبو دلف راشدا الكاتب بعض ما يرثي به أيره فأنشده:
ألا ذهب الأير الذي كنت تعرفه
فقال: بل أمك التي كانت تعرفه.
النهي عن الوقيعة في السلطان
سمع أعرابي إنسانا يقع في السلطان فقال: يا فلان إنك غفل و كأني بالضاحك لك باك عليك. و دخل خالد بن صفوان على بلال بن أبي بردة حين ولي البصرة فلمّا ولي قال: سحابة صيف عن قليل تقشع [٢] ، فقال بلال: أما أنها لا تنقشع حتى يصيبك منها شؤبوب [٣] بر، و لما عزل أحمد بن عثمان عن أصفهان قال له رجل في وقت خروجه: الحمد للّه الذي اراحنا من بغضك، فأمر بحبسه و قال لشهود كانوا معه: اشهدوا أن هذا في حبسي بحقّ، فكان كلما ورد قاض و فتش عن أمر المحبسين لم يعرف ذلك الحقّ الذي حبس به فبقي على ذلك زمانا حتى توصل إلى تنجيز [٤] كتاب كتب منه بعد حين فأطلق، و قيل: ثلاثة ليس من حقها أن يحتملها السلطان: الطعن في الملك و إفشاء السر و الخيانة في الحرم.
الإرجاف [٥] بالسلطان
كان بعض الناس أرجف بعزل سلطان فأخذه و ضربه فلما خلّى عنه عاد إلى أصحابه و قال: أ ما عرفتم تحقيق قولي لو لا ذلك لما نكاه الخبر به فخلاّه، و قال: لو ترك الأرجاف في موضع لتركه هنا، و خرج جماعة إلى السلطان يطلبون شغلا فلم يجدوا فقال: بعضهم تقوتوا الأرجاف و انتظروا الدول و قيل: الأراجيف تلقيح الفتن. قال شاعر:
أراجيف الأنام مخبرات # بأمر كائن لا شك فيه [٦]
التحذير من مقاربة السلطان
قيل للعتابي [٧] : لم لا تقصد السلطان فتخدمه؟فقال: لأنى أراه يعطي واحدا لغير
[١] اللخناء: جمع ألخن، المتكلم بقبيح، المنتن.
[٢] تقشع: تتفرّق-أقشع القوم عن الماء: تفرّقوا.
[٣] شؤبوب: دفعة من المطر.
[٤] تنجيز: قضاء، إنهاء، إكمال.
[٥] الإرجاف: الخوض في الأخبار السّيئة قصد أن يهيج الناس-أرجفت الأرض: زلزلت.
[٦] أراجيف: أخبار كاذبة، سيئة.
[٧] العتابي: شاعر مترسّل بليغ. هو كلثوم بن عمرو التغلبي (ت ٨٣٥) . حذا حذو بشّار في البديع. مدح الخلفاء متكسبا بالشعر.