محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٧٥ - الأمر بالاقتصاد في الطلب
مدح الشغل و ذمّ الفراغ
قال بزرجمهر: إن يكن الشغل محمدة فالفراغ مفسدة. الراحة للرجال عقلة و للنساء غلمة. و استشار رجل في عمل يتولاه آخر، فقال: اعلم أن الفراغ من شأن الأموات و الاشتغال من شأن الأحياء، فإن قدرت أن تكون حيا فافعل. و قال حكيم: لا تفرغ قلبك من ذكر و لا ولدك من شغل، فالقلب الفارغ يبحث عن السوء و اليد الفارغة تنازع إلى الإثم. و قال آخر: أحذركم عاقبة الفراغ فإنه شر من السكر. و قال الفضل بن مروان:
الكاتب كالدولاب إذا تعطل انكسر.
الأمر بالاقتصاد في الطلب
قال النبي صلّى اللّه عليه و سلم: اقتصدوا في الطلب فإن ما رزقتموه أشد طلبا منكم له و ما حرمتموه فلن تنالوه و لو حرصتم. و قيل: لا يدرك بالحذق هارب الرزق.
قال المرقش الأصغر:
أجمل العيش إن رزقك آت # لا يردّ الترقيح شروى فتيل [١]
و قال أبو الشّيص:
لكل امرئ رزق و للرزق جالب # و ليس يفوت المرء ما خطّ كاتبه [٢]
يساق إلى ذا رزقه و هو وادع # و يحرم هذا الرزق و هو يطالبه
و قال أبو تمّام:
و الحظ يعطاه غير طالبه # و يحرز الدرّ غير مجتلبه
تلك بنات المخاض راتعة # و العود في كور و في قتبه [٣]
و قال آخر:
حظك يأتيك و إن لم ترم
و قال راشد الكاتب:
إذا كانت الأرزاق في القرب و النّوى # عليك سواء فاغتنم لذة الدّعه [٤]
و إن ضاق أمر يفرج اللّه ما ترى # ألا ربّ ضيق في عواقبه سعه
و قال العطوي:
لا تحسبنّ طول الرحل # يزيد في رزق الأجل
[١] الترقيح: ترقيح العيش: إصلاحه-الشروى: المثل-و شروى فتيل: لا يماثل بأي شيء.
[٢] ما خط كاتبه: أي ما هو مقدّر للإنسان من رزق.
[٣] في كور و في قتبة: في رحل كبير أو في رحل صغير. (الرحل ما يحمل على ظهر الجمل كالسرج) .
[٤] في القرب و النوى: أي في القرب و البعد.