محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٠٨ - عود حريص على نفسه باللائمة
الحرص عماد كلّ شرّ
قال الفضيل: جعل الشر كلّه في بيت و جعل مفتاحه حبّ الدنيا، و جعل الخير كله في بيت و جعل مفتاحه الزهد في الدنيا. و قيل: الحرص رأس كل خطيئة. و في الحديث:
إن الصفاة الزلاء التي لا يثبت عليها قدم العلماء الطمع.
الحرص يمنع صاحبه التمتّع بما خوّله
قيل: : الحريص يشغله طلب ما أمل عن التمتع بما خول، و من هذا أخذ كشاجم:
و مستزيد في طلاب الغنى # يجمع لحما ما له طابخ
ضيّع أموالا بما يرتجي # و النّار قد يطفئها النافخ [١]
الحرص سبب التلف
الليث يبعث حتفه كلبه. في كتاب كليلة: من لم يرض بما يكفيه و طلب الفضول، كان كالذباب الذي لا يرضى حتى يطلب الماء السائل من آذان الفيلة فتضربه بآذانها فترديه.
و قيل:
إن المطامع تنصب الشبكا [٢]
و قال ابن أبي الأسود:
قد دعاه الطمع الكا # ذب و الحرص اللجوج
صيد بالحرص و قد يصطا # د بالحرص الزّنوج
قدح الحرص في العقل
قيل: : أكثر مصارع العقول تحت بروق المطامع. و قال عمر رضي اللّه عنه: ما الخمر صرفا أذهب لعقول الرجال من الطمع، ما أعمى النفس الطامعة عن العقبى الفاجعة.
و قيل: الحرص و الطمع إلهان معبودان.
عود حريص على نفسه باللائمة
و قال شاعر:
و لو أنّي رضيت مقسوم أمري # لكفاني من الكثير القليل
و قال آخر:
نسعى و أيسر هذا السعي يكفينا # لو لا تطلبنا ما ليس يعنينا
و قال أبو العتاهية:
أطعت مطامعي فاستعبدتني # و لو أني قنعت لكنت حرّا
[١] النار التي تهيّج بريح النافخ قد يطفئها هذا النافخ لكثرة ما يخرج الريح من فيه.
[٢] تنصب الشبك: توقع بصاحبها في التهلكة.