محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ١٩٩ - الحثّ على تسويد الكبار
أعطيت في نائبتهم، و حملت عن سفيههم، و شددت على يد حليمهم، و عطفت على ذي الخلّة منهم. فمن فعل فعلي فهو مثلي و من قصّر عنّي فأنا أفضل منه. و من تجاوزني فهو أفضل منّي.
و قال الأحنف: من كان فيه أربع خصال ساد قومه غير مدافع، من كان له دين يحجزه [١] ، و حسب يصونه و عقل يرشده، و حياء يمنعه. و قيل: من أحب الرئاسة صبر على مضض السياسة.
قال الشاعر:
أ ترجو أن تسود و لا تعنّي # و كيف يسود ذو الدعة البخيل
و قال الخبزارزي [٢] :
فقل لمرجي معالي الأمور # بغير اجتهاد طلبت المحالا [٣]
جماع أحوال يجب للرؤساء تجنّبها و أحوال يلزمهم فعلها
قال معاوية رضي اللّه عنه: لا ينبغي للملك أن يكون كذابا، لأنّه إن وعد خيرا لم يرج، و إن أوعد شرّا لم يخف و لا غاشّا لأنه لم ينصح، و لا تصح الولاية إلا بالمناصحة.
و لا حديدا لأنه إذا احتدّ هلكت رعيته، و لا حسودا لأنه لا يشرف أحد فيه حسد، و لا يصلح الناس إلا بأشرافهم. و لا جبانا لأنه يجترئ عليه عدوّه و تضيع ثغوره.
و قال بعضهم: أكره المكاره في السيّد، و أحبّ أن يكون عاقلا متغافلا. كما قال أبو تمام الطائي:
ليس الغبيّ بسيّد في قومه # لكنّ سيّد قومه المتغابي
و قال ذو القرنين لأرسطوطاليس، لما أراد الخروج: عظني بما أستعين به في سفري. فقال: اجعل تأنيك أمام عجلتك، و حيلتك رسول شدّتك، و عفوك ملك قدرتك.
و أنا ضامن لك قلوب الرعية. إن لم تخرجهم بالشدّة عليهم، و لم تبطرهم بفضل الإحسان إليهم.
الحثّ على تسويد الكبار [٤]
قال قيس بن عاصم لبنيه: إذا متّ فسوّدوا كباركم و لا تسوّدوا صغاركم، فيحقر
[١] يحجزه: أي يمنعه عن المقابح و المساوئ.
[٢] الخبزارزي: هو نصر بن أحمد من شعراء البصرة. كان أميّا. سمّي بهذا الاسم لأنه كان يخبز خبز الأرز في دكانه بمربد البصرة. أورد الثعالبي بعض شعره في يتيمة الدهر..
[٣] يقول: إنّه يستحيل بلوغ السيادة و المعالي بغير بذل و عناء و اجتهاد.
[٤] تسويد الكبار: جعلهم سادة.