محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٩ - تفضيل الجدّ على العقل
و قال آخر:
فإن يك حائلا لوني فإنّي # لعقل غير ذي سقط وعاء [١]
موصوف بالحماقة و الجهل
سئل أعرابي عن رجل، فقال: لو كان في بني إسرائيل و وقعت قصة البقرة ما ذبحوا غيره.
و قيل: فلان ليس له من عقله فاه و لا من نفسه واعظ. و قيل: أحمق من دغة و من رخمة [٢] و في الرخمة: إنك من طير اللّه فانطقي، يقال ذلك كناية عن الحمق خامري أم عامر.
و قيل: ليس مع فلان من العقل إلا ما يوجب حجة اللّه عليه إذا أمر به إلى النار.
و قيل: فلان مخدوع من عقله فلا تستعن به:
ليس يدري من الجهالة ما ذا # دور البعر في بطون الجمال
و قال آخر:
ربّ ما أبين التباين فيه # منزل عامر و عقل خراب
و إذا قيل: فلان سليم الصدر، أو جامح في المسجد أو هو من أهل الجنة، فهو كناية عن الحمق.
تفضيل الجدّ [٣] على العقل
قيل: استأذن العقل على الجدّ، فلم يأذن له، و قال: أنك تحتاج إليّ و أنا لا أحتاج إليك. و افتخر العقل، فقال له الجدّ: أمسك فما لك نفاذ [٤] ما لم أصحبك. و قيل لأعرابي: فلان أحمق مرزوق، فقال هذا هو الرجل الكامل. قال:
و هيهات الحظوظ من العقول
قال آخر:
و ما لبّ اللبيب بغير حظّ # بأغنى في المعيشة من فتيل [٥]
[١] السّقط: اللئيم، و السّقط: ما لا خير فيه.
[٢] الرخمة: واحدة الرخم، طائر من الجوارح أو فصيلة النّسريات.
[٣] الجدّ (بفتح الجيم) : الحظّ.
[٤] النفاذ: الخلاص، من نفذ نفذا و نفوذا و نفاذا الشيء خرقه، و جاز عنه.
[٥] اللبّ: العقل و الجوهر-الفتيل: المفتول، و ما فتلته بين أصابعك من الوسخ، و الفتيل هنا كناية عن الشيء الرخيص.