محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٥٩٣ - اجتناب عرض الدنيا
و قيل: سوء حمل الغنى أن يكون الفرح مرحا و سوء حمل الفقر أن يكون الطلب شرها. و قيل: حمل الغنى أشدّ من حمل الفقر و مئونة الشكر أصعب من مشقة الصبر.
و قال بعضهم في من لا يبطر و لا يمكنه ستر غناه:
تأبى الدراهم إلا كشف أرؤسها # إن الغنى طويل الذيل ميّاس [١]
و قال المرقّش:
إن يخصبوا يعيوا بخصبهم # أو يجدبوا تجديهم الأم [٢]
و قال الخبزارزي:
قد كان في حال محسود فأبطره # طغيانه فاغتدى في حال مرحوم
و قال مسلم بن الوليد:
فالكلب إن جاع لم يعدمك بصبصة # و أن ينل شبعة ينبح على الأثر [٣]
مدح من لا يبطره اليسر و لا يدقعه الفقر
و قال هدبة:
و لست بمفراح إذا الدهر سرّني # و لا جازع من صرفه المتقلّب
و قال طرفة بن العبد:
إن ننل منفسة لا تلفنا # ترف الخيل و لا نكبو لضرّ [٤]
و قال الزبير بن الأسدي:
و لا يراني على ما ساء مكتئبا # و لا يراني على ما سرّ مبتهجا
و مثله:
فتى إن هو استغنى تحذّق في الغنى # و إن قلّ ما لا لم يضع سنة الفقر [٥]
اجتناب عرض الدنيا
قيل: العاقل من لا يجزع من قعود الدهر به علما بأن مراتب الأقسام توضع على قدر الأفهام. و قيل: و كل اللّه الحرمان بالعقل، و الرزق بالجهل ليعلم العبد أن ليس له من أمر الرزق شيء.
[١] طويل الذيل: غني-ميّاس: مختال في مشيه.
[٢] يعيون: يتعبون-يجدبون: يصيبهم الفقر.
[٣] بصبص الكلب: حرّك ذنبه.
[٤] المنفس: النفيس من المال و الثروة-لا تلفنا: أي لا تجدنا-نكبو: نسقط-يفتخر طرفة برزانة قومه فهم لا يبطرون في الرخاء، و لا يكبون في الشدائد.
[٥] تحذق: صار حاذقا ماهرا.