محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٢٧٧ - فضل كظم الغيظ
الممدوح بالحلم
قال حسان [١] :
أحلامنا تزن الجبال رزانة # و تزيد جاهلنا على الجهّال [٢]
قال ابن هرمة:
و لو وزنت رضوى ببعض حلومهم # لشالت و لو زيدت عليه تضارع [٣]
قال أبو فراس:
يجني الخليل و أستحلي جنايته # كيما يدلّ على حلمي و إحساني [٤]
قال المتنبي:
و أحلم عن خلّي و أعلم أنّني # متى أجزه حلما عن الجهل يندم [٥]
من اجتهد في إغضابه فحلم
بايع رجل آخر على أن يغضب الأحنف فجاءه فخطب إليه أمه. فقال: لسنا نردك انتقاصا بحسبك و لا قلة رغبة في مصاهرتك، و لكنها امرأة قد علا سنها و أنت تحتاج إلى امرأة ودود و لود، تأخذ من خلقك و تستمد من أدبك، ارجع إلى قومك و أخبرهم أنك لم تغضبني.
خطب آخر إلى معاوية أمه. فقال: ما الذي رغّبك فيها و هي عجوز؟فقال: بلغني أنها عجوز عظيمة العجز، فقال: لعلك خاطرت أن تغضب سيد بني تميم قال: نعم.
قال: ارجع فلست به.
فضل كظم الغيظ
قال اللّه تعالى: وَ اَلْكََاظِمِينَ اَلْغَيْظَ [٦] و مر النبي صلّى اللّه عليه و سلم بقوم يربعون حجرا فقال: أ لا أخبركم بأشدكم من ملك نفسه عند الغضب، و قال صلّى اللّه عليه و سلم: من كظم الغيظ و هو يقدر على أن ينفذه خيّره اللّه في أي حور شاء، و قيل: الكظم يدفع محذور الندم كالماء يطفئ حر الضرم. كظم يتردد في حلقي أحب إلى من نقص أجده في خلقي. قال: و أفضل حلم حسبة حلم مغضب.
[١] حسّان: هو حسّان بن ثابت الأنصاري، من شعراء المدينة و واحد من مخضرمي الجاهلية و الإسلام، لقب بشاعر النبيّ.
[٢] الرزانة: الوقار.
[٣] رضوى: جبل بمكّة.
[٤] الجناية: الذنب و الخطيئة.
[٥] الخلّ: الصاحب، الخليل-يقول: إنّ مسامحة الجاني دعوة إلى ندامته.
[٦] القرآن الكريم: آل عمران/١٣٤.