محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٦٧٦ - باعث رفده إلى تارك قصده
و قال العتبي:
ما قال لا إلاّ لعذّاله # و هو بها عن سائل أعجم [١]
من هو مقصد العفاة
قيل: أطيب الناس عيشا من كثرت عفاته [٢] و عاش الناس في كنفه، و قيل: فلان داره مجمع عفاته و مربع عطياته. قال أبو نواس:
ترى النّاس أفواجا على باب داره # كأنّها رجلا دبى و جراد [٣]
و قال وهب الهمداني:
فتى داره معمورة بعفاته # و مجلسه بالمكرمات منجد
و قال أشجع:
على باب ابن منصور # علامات من البذل
جماعات و حسب البا # ب فضلا كثرة الأهل
و قال بشار:
يطوف العفاة بأبوابه # كطوف الحجيج ببيت الحرم
و قال البديهي:
و للجود حسن أيّ وقت بذلته # و أحسنه ما كان في زمن المحل
باعث رفده إلى تارك قصده
قال الحجّاج يوما: قلّ عفاتنا، فقال رجل: أصلح اللّه الأمير إنك أكثرت خير البيوت فاستغنى الناس بما يصل إليهم عن الترحال، فسرّ الحجاج، و قال: بارك اللّه فيك و أحسن إليه.
أنشد مروان بن أبي حفصة قول الشاعر:
إذا جئت أعطاني و إن أنا لم أجيء # أتاني من جدواه ما كنت أرتجي
فقال مروان قد قلت أحسن من هذا، بعث إليّ عبد اللّه بن طاهر عشرين ألفا فقلت فيه:
لعمري لنعم الغيث غيث أصابنا # ببغداد من أرض الجزيرة و ابله [٤]
و نعم الفتى، و البيد بيني و بينه # بعشرين ألفا صبّحتنا رسائله
[١] أعجم القول: يقول: أنّ ممدوحه لا ينطق بـ «لا» إلا في مخاطبة عذاله، و هو لا يفصح بها لطالب نواله.
[٢] عفاته: جمع العافي و هو كل طالب رزق أو فضل.
[٣] الرّجل: القطعة العظيمة من الجراد-الربى: الجراد الصغير-شبه أفواج الناس على باب داره لكرمه وجوده.
[٤] الوابل: المطر الغزير.