محاضرات الأدباء و محاورات الشعراء و البلغاء - الراغب الأصفهاني - الصفحة ٣٧ - ذمّ طلب الأمر بعد فوته
و قال العبّاس بن الأحنف [١] :
صرت كأنّي ذبالة نصبت # تضيء النّاس و هي تحترق [٢]
ذمّ الاقتصار على مجرّد التوكّل
جاء رجل إلى النبي صلى اللّه عليه و سلم فقال: إني أرسل ناقتي و أتوكل. فقال: بل اعقلها [٣] و توكّل.
مرّ الشعبيّ بإبل قد فشا فيها الجرب، فقال لصاحبها أ ما تداوي إبلك؟فقال: إن لنا عجوز نتكل على دعائها. فقال: اجعل مع دعائها شيئا من القطران.
و في كتاب كليلة لا يمنع العاقل يقينه بالقدر من توقّي [٤] المخوف، بل ليجمع تصديقا بالقدر و أخذا بالحزم.
قال الشاعر:
و المرء تلقاه مضياعا لفرصته # حتّى إذا فات أمر عاتب القدرا
قال أبو عبيدة لعمر رضي اللّه عنه، حين كره طواعين الشأم و رجع إلى المدينة، أ تفرّ من قدر اللّه؟قال: نعم إلى قدر اللّه. فقال له: أ ينفع الحذر من القدر؟فقال: لسنا ممّا هناك في شيء، إن اللّه لا يأمر بما لا ينفع، و لا ينهى عما لا يضر، و قد قال تعالى: وَ لاََ تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى اَلتَّهْلُكَةِ [٥] و قال تعالى: خُذُوا حِذْرَكُمْ [٦] .
ذمّ طلب الأمر بعد فوته
قيل: لبعض الحكماء هل شيء أضرّ من التواني؟فقال: الاجتهاد في غير موضعه.
و قيل: العجز عجزان عجز التقصير و قد أمكن؟و الجدّ في طلبه و قد فات. أخذه الشاعر فقال:
تتبّع الأمر بعد الفوت تغرير # و تركه مقبلا عجز و تقصير [٧]
و قيل: شرّ الرأي الدبري [٨] .
[١] العبّاس بن الأحنف: شاعر الرشيد و من أبرز شعراء الغزل مات سنة ١٩٣ هـ (٨٠٨ م) .
[٢] الذبالة: الفتيلة-شبّه نفسه بالذبالة التي تحترق لتضيء النّاس. و في هذا الكلام صورة بارعة من صور الإيثار و التضحية.
[٣] اعقلها: أي اعقل الدّابة، و العقل هنا بمعنى الربط، و المقصود بهذا القول تدبّر الأمور و عدم الإهمال أو الغفلة عن الواقع.
[٤] توقّي المخوف: أي الحذر من العواقب السيئة، و تجنّبها قبل الوقوع فيها.
[٥] القرآن الكريم: البقرة/١٩٥.
[٦] القرآن الكريم: النساء/٧٠ و ١٠١.
[٧] الفوت: تجاوز الميقات الصحيح.
[٨] الرأي الدبري: هو الذي يأتي متأخرا بعد فوات الأمر.